العدد 1444
الخميس 27 سبتمبر 2012
التمييز... شرحه يطول غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 27 سبتمبر 2012

عندما كتبت هنا أكثر من مرة عن التعبيرات التي نستخدمها ونستهلكها ونلوكها ليل نهار من دون تثبت وتمثل واستحضار للمعاني الأساسية لهذه المقولات، نجدها أصبحت مبتذلة جداً في المراحل التالية، تفقد معانيها وقوتها وسطوتها وبهرجها، ولا يعود لها الرنين العالي الذي كان يصاحبها في بداية انطلاقتها وإطلاقها.
ولربما حضر مصطلح “التمييز” بشكل كبير جداً وقوي جداً ومتداول جداً أيضاً، في السنوات القليلة الأولى التي وازت أو لحقت بعد إقرار ميثاق العمل الوطني بقليل، ومنذ ذلك الحين وهذه الكلمة ربما لا تغيب عن بيانات الجمعيات، وأسطر الصحف المحلية، وتراها تتقافز في ثنايا المواقع الاجتماعية، وكلها تشير إلى أن هناك فئة بعينها، يجري التمييز ضدها. وهذا التمييع والإبهام في تعيين الفئة والإرادة أتركهما لحصافة القارئ الكريم الذي ربما يشمئز من إخفاء ما هو ظاهر وترميزه أيضاً، إذ ان هذا الكلام يدور في جميع المجالس والدوائر والخطابات، فما بالنا اليوم نأتي وكأننا ننكر وجود الشمس في رابعة النهار، أو نشكك في أن الأرض تدور حول نفسها.
في الحقيقة، فإن الاستسلام إلى ما يتردد، هو نفسه الاستسلام إلى مقولات أخرى من أشباه “مجتمع الأسرة الواحدة” [1]، إذ انه لمن العسير أن يجري اليوم تفكيك هذا المصطلح وإعادة تعريفه بعدما جرى نشره وتذويبه في الوجدان البحريني بشكله الحالي.
غير أن التمييز بعضاً من أهم تعريفات التمييز تقول إنه “التفرقة أو الانتقائية أو الإضرار أو المعاملة المختلفة أو التجاهل أو الاستبعاد تجاه أفراد أو مجموعات على أساس الأصل العرقي، أو العنصري، أو المعتقد الديني، أو الرأي، أو السن، أو بسبب التوجه الجنسي، أو بسبب إعاقة ما، ويرتبط هذا بتراتب القوة أو السيطرة، ويؤدي إلى عدم حصول شرائح اجتماعية ضعيفة أو قليلة التأثير على نفس الحقوق التي تحظى بها بقية شرائح المجتمع”.[2]
وبالاطلاع على تجارب المجتمعات في الكثير من دول العالم، سنجد فيها أنماطاً من التمييز التي بعضها يلاحقه القانون، وبعضها يجري التستر عليه، وبعضها يسيّره العرف المحلي الذي يقونن التمييز، بل ويندهش أفراد في بعض المجتمعات من تساويهم مع المميز ضدهم، كما اندهش مشركو قريش من تساويهم مع العبيد والإماء، وكما لم يستوعب ستينيو القرن العشرين في الولايات المتحدة كيف يمكنهم الجلوس في صف واحد مع أميركي من أصل أفريقي، والأمر يتكرر دائماً من ناحية الجنس أو الجنسية أو اللون أو الديانة أو غيرها من العوازل والخصوصيات التي تميّز بين الناس، ولكنها لا تعني أن تجري ممارسة التمييز ضدهم على هذه الأسس التي لم تعد مقبولة، بل ومقززة أيضاً إن أحداً تحدث بها علانية، وفي الدول المتقدمة يقاد المميِّز إلى المحاكم للاقتصاص منه إن ثبت عليه الجرم.
ولاشك أن بعضاً من المميًّز ضدهم، من أيٍّ من الأصناف الواردة سابقاً، باتوا أيضاً يشكلون عوامل ضغط، وربما ابتزاز على أكثر من مستوى، إذ يدّعي عدد كبير من الناس في الدول المتقدمة بممارسة التمييز ضدهم لأن لونهم يختلف، أو ديانتهم، أو توجهاتهم الجنسية.. الخ، وإذا لم يتم اتخاذ إجراء بحسب ما يصبو إليه الشاكي، فليس من الغريب أن يدّعي التمييز على الدائرة التي لم تتحرك بما يكفي من الحماس لقضيته، وهكذا تتدافع المجتمعات في طلب حقوقها، ربما يتنكب بعضها الطريق، وربما يبالغ البعض في استيفاء ما له، ولكنها الطريقة الأفضل – إلى الآن – ليعي الناس أن ليس منهم من هو أرفع من الآخر، وأن “أكرمكم عندالله أتقاكم” (الحجرات:13)، و”إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.[3] ومع كل هذه القوانين والاحتياطات والعقوبات الواضع والمسارد الخاصة بالتمييز بأشكاله المختلفة، ولا تزال الدول الغربية تعاني من التمييز الذي تتم ممارسته في كل مكان، وعلى كافة الأصعدة، وما قضية القائد السابق للمنتخب البريطاني جون تيري إلا واحدة من القضايا القريبة العهد منا.
يأتي الآن الدور على البحرين... هل يمكن القول بأن ليس هناك تمييزا؟ هل يمكن أن نجري عمليات واسعة من الطنطنة بنفي الثابت والواقع؟ هل من قصص كتبت وتم تداولها قد ناقشت التمييز وثبتته؟ ألا تشير كثرة القصص وتنوعها، واختراقها للسنين والعقود، وتنوع ضحاياها والقائمون عليها أيضاً، ألا تعتبر من الأدلة التي تحيط بالقضية وتعزز التصديق بوجودها؟ وهل التمييز هو أمر تقوم به جهة/جهات رسمية ضد فئة/فئات من الشعب؟ هل يقوم الناس بالتمييز فيما بينهم؟ هل المميز ضده هنا ينقلب إلى ممارس للتمييز هناك؟ أليس هذا صحيحاً في الكثير أيضاً من القصص والأحداث والأحوال والضحايا والسنين؟ هل التمييز في البحرين قضية لا تقبل القسمة على اثنين، بمعنى أن ليس لها إلا البعد المذهبي (الطائفي) كما يروج ويشاع؟ أليس هناك فئات تتنقل بين كفة الفاعل والمفعول به أيضاً، مثل المرأة، الطفل، والأعراق، والجنسيات التي تعيش على أرض البلاد، ومكتسبي الجنسية، بصرف النظر عمّا يقال عن طريقة تجنّسهم أو اكتسابهم الجنسية؟ ألا يوجد تمييز في التوظيف وبأشكال مختلفة ومن جهات متعددة تتقاذف التهم نفسها وتبرر لما تفعله بدعوى مقاومة ما يحدث في قطاعات أخرى؟ ألا يوجد تمييز في الترقي؟ ألا يوجد تمييز في النسب والأخذ بتراتبيات معينة وأعراق محددة وألقاب صارت اليوم مقدمة على كل الاعتبارات في مجتمع يدّعي ليل نهار أنه متدين بينما يقول رسول هذا الدين بتزويج من يرضى أهل المرأة دينه وخلقه ليس غير؟
للبحرين جولات أخرى، سيطول الزمان أم يقصر في المحافل الدولية، وليست في كل مرة مجبرة على الدخول في “ردحة” تنتج غباراً لا يهدأ إلا بعد حين! فليكن العمل منذ الآن لا لسواد أعين اللجان والمنظمات، ولكن لأننا جميعاً في هذا البلد نستحق الأفضل.
هامش:
[1] انظر مقال “مجتمع الأسرة الواحدة والدودة الزائدة”، غسان الشهابي، صحيفة “البلاد”، العدد (1442)، الاثنين 24/09/2012.
[2] http://www.migrant.at/gams_diskriminierung_arab.pdf (تمت زيارة الموقع في 25/09/2012).
[3] رواه مسلم وعدد من أصحاب الأسانيد بألفاظ مقاربة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية