عندما يأتي المسؤولون في المؤسسات ليرووا بعد حين الخط الزمني لمؤسساتهم، فإنهم يتوقفون في الغالب أمام المصاعب التي واجهتهم في مسيرتهم، كالكوارث والأزمات الخارجة عن إراداتهم، والتي تسببت في انحراف المؤسسات عن خططها وربحيتها المفترضة. وهذا الأمر يُستخدم إما لتبرير ضعف الأداء وقلة الربحية، وإما للبرهنة على أنه – وعلى الرغم من كل هذا – استطاعت المؤسسة أن تجتاز الأزمة وهي في حالة “قطعة واحدة”، متماسكة من دون أن تنهار.
كلا الاتجاهين من التبرير يريد شرح الحالة نفسها، ولكن من منظور مختلف، ومن موقع مختلف. إنه أشبه ما يكون بتحويل الشعارات السلبية إلى شعارات أكثر إيجابية وإن حملت النتيجة نفسها، كقول أحدهم “بدلاً من رفع شعار (لا لسرقة المال العام) يمكن قلبه إلى (نعم للحفاظ على المال العام)، وبالتالي فإن الرسالة تصل والهدف يتحقق من دون تجهّم أو تشنج أو مصادمات لا داعي لها”.
البحرين اليوم، المملكة إن رأيناها سياسياً، أرخبيل الجزر إن رأيناها جغرافياً، والوطن إن حسبناها انتماءً، تمرّ في شهرها العشرين من الحمل، ولا ولادة قريبة على ما يبدو. فكلما أجاءها المخاض إلى الولادة، تبيّن أنه لم يكن إلا حملاً كاذباً، وحلماً متباعداً، وأجلاً متطاولاً، وانقضى الحلم بأن نعيش من دون حرائق ولا مسيلات للدموع ولا حاويات مقلوبة وحواجز ونقاط تفتيش، ومن دون أنوار سيارات الأمن التي تعشي العيون لقوتها، ولا إطارات تترك على الشارع وشماً لا ينافسه في القبح إلا ما يرقمه الكثير من الناس على أدوات التواصل الاجتماعي من عبارات خارجة عن كل قيمة إنسانية أو دينية أو اجتماعية. وإعلام يزوّر الوقائع وينظر إليها بشكل أعور ومبتسر، ينتقي من المشهد ما يناسبه أو يخدم طرحه، غير خائف على هذا الوطن وأهله مغبّة هذا الافتراء والكذب، إعلامٌ يرى أن الفوز في هذا الصراع هو جلّ أمانيه وإن شوّه نفسيات البشر وعبث بها وعاث فيها فساداً وإفساداً.
في الشهر العشرين، ولا نزال لا ندرك كيف يمكننا أن نروي ما يحدث اليوم إلى الأجيال المقبلة، ونُشعرهم بأن الوطن هو كل ذرة رمل، وكل قطرة بحر في هذا الذي حددته لنا الشرعية الدولية، وليس لحبّة فضل على أخرى، ولا بقعة منه أنقى وأطهر من الأخرى، ولا فرد فيه يفوق وطنية الآخرين، وأن الوطنية ليست برفع الصوت زعيقاً أو غناءً، بل بالفعل الذي يبنيه ويجسد الأحلام الشخصية الصغيرة التي تتراكم من دون مزايدة أو تهليل، ومن دون ادّعاء فارغ من لا قدمين له على الواقع بشأن حب الوطن، لأن الوطن إنسان، والإنسان النازف لا يعرف إلا التخبط في سبيل وقف نزفه وسدّ جرحه، لا يمكنه أن يحب أو يبدع أو يبتسم أو ينتج... المصيبة الأكبر إن كان هذا الوطن/الإنسان لا يعي أنه ينزف، وأنه عما قريب – إن لم يتدارك نفسه - سيترنح ويتهاوى طالما بقي على هذا الحال، حينها لن تنفع معه المداواة، ولن تجدي معه التغذية، لأنه فقد مقومات الحياة الأساسية، وعطبت أجهزته الحيوية!
إن كانت المؤسسات الخاسرة تُصفّى حفاظاً على المتبقي من حقوق المساهمين قبل أن تتعاظم خسائرها وتتعاظم عليها الديون، فإن الأوطان لا يمكن تصفيتها، أو بيعها في المزادات العلنية أو السرية، ولا يمكنها الاستسلام لعروض الشراء المغرية، والقبول بالخروج من الخسارة العظمى بغنائم شحيحة، إلا إن كان أهلها يعتبرونها “محطة” في حياتهم، سيعبرون بعدها إلى مرحلة أخرى، وأيّ أرض ستقلّ من لا وطن له، وأيّ سماء ستظلّ وتمطر على من يلفظ وطنه؟! فإذا كنا شركاء في هذا الوطن، فإن أسهمه غير قابلة للتداول، وليس لأيٍّ كان حصصاً أكبر من الآخرين للسيطرة على صنع القرار فيه، وأسهمه لا توزع بحسب الكوتا أو المحاصصة بين أهله، فإما مواطنة كاملة أو العدم. أما مواطنة القسمة بشروط السوق فلا بد أن تحول الأوطان إلى بضائع وأسلاب، تعلو فيها الصيحات التي تهبط من شأنه وتعلي من شأن الانتماءات غير الجامعة له.
وإن كان القائمون على الشركات في أوقات العسرة يفاخرون بأنهم استطاعوا أن يخرجوا بها من الأزمة سليمة من غير سوء، قطعة واحدة من غير فتات، فإننا ومنذ عشرين شهراً آخذون في التفتت والتشظي والتشرذم والانطواء على الذات، وتقوية الهويات الفرعية فيما بيننا، ونبذ الهويات الأخرى غير المتوافقة معنا، حتى وإن قلنا عكس ما نستبطن. فالواقع والحاصل اليوم يشير إلى أننا نعيش الأزمة بكل أبعادها، وأن الحبال التي كانت تربطنا هي أوهى مما كنا نظن، وأن خسائرنا البشرية – على عظيم فجيعتنا بها وألمها الإنساني والشخصي – ليست إلا تجسيداً لما يفعله الأحياء منا إلى اليوم، الذين لم يحالفهم حظ الوفاة قبل عشرين شهراً، إذ تمارس الكثرة منا بشاعة التخلي عن الإنسانية مع كل روح ترتفع إلى بارئها لكونها لا تنتمي إلينا، وبالتالي فليس لها حظّ من الألم والحزن والحسرة والتبصّر، وكأن من يسقطون يحفرون في الأرض خندقاً جديداً بيننا، بدل من أن يردموا الخنادق بأرواحهم الطاهرة قبل أجسادهم الفانية، ويجعلونا نلتفت إلى ما فرّطنا في جنب الله وجنب ذواتنا، ونخشع لهذا الحدث الجلل قبل أن يصبح أمراً اعتيادياً لا يثير اهتماماً، بل يزيدنا شراهة للدم والعنف.