العدد 1472
الخميس 25 أكتوبر 2012
الكل على صواب.. ولكن الأزمة مستمرة غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 25 أكتوبر 2012

ألتقي – كغيري من الناس – بأعداد مختلفة، وتوجهات متباينة من المواطنين، الذين يبدأون في الغالب يومهم بوصفهم لما مرّوا عليه ورأوه في الشارع حين ذهابهم إلى العمل، وفي هذا الاستماع حدث متكرر، وليس بالفرصة الفريدة ولا العزيزة ولا النادرة، لأنها حديث الناس، وزادهم اليومي منذ ما يقرب العامين، بعدما كان حديثهم مقتصراً على غلاء بودرة الحليب، وعدم وجود شواطئ يتنفس من خلالها البشر.
من تفاصيل هذه الأحاديث اليومية عن المشاهدات يمكن تلمس الطريقة التي ينظر بها المواطنون إلى ما يحدث. فمنهم من يأتي متقززاً من منظر المظاهر المسلحة “المبالغ فيها” على طول الشارع، وعند عدد من المداخل، وسيارات الأمن وهي متوقفة ومتحفزة على جانب الطريق، بالإضافة إلى المدرعات القاتمة اللون، ويشير إلى أنها علامات غير طيبة، ورسائل غير موفقة ترسلها قوات الأمن للمواطنين والمقيمين والسيّاح بأن حرباً وشيكة ستقع بين لحظة وأخرى نتيجة للاستنفار.
شريحة أخرى من المواطنين أيضاً، ترى أنهم كانوا في حالة من القلق والتوتر طيلة قيادتهم للسيارة لئلا يظهر عليهم من يحملون الإطارات ويفرشونها بسرعة، مشبعينها بالبنزين، مشعلين فيها النيران، تاركين الشارع يضطرب وتتكدس عليه أرتال السيارات حتى يأتي من يزيحها، ويطفئ النيران، ويفتح الطريق من جديد وسط ما يعتمل في النفوس من قلق ونقمة تتعالى. وترى هذه الشريحة أنها لا تشعر بالأمان إلا برؤية قوات حفظ النظام منتشرة بشكل كثيف لتحميهم من قطع الطريق بالنيران حيناً، وبالأخشاب حيناً، وببراميل القمامة حينا، وبسكب الزيت حيناً.
مشهد واحد وقراءتان، هذا هو الوضع البحريني الذي لا يريد أن يتغير على الرغم من تراجع حدة الأحداث والمصادمات الأمنية، بحسب التقرير الذي صدر حديثاً، يشير إلى عدم بذل الجهد الكافي لتقريب القراءات لهذا المشهد، وأن هناك من يحاول دائماً أن يجعل الأجواء متوترة لأغراض ظاهر بعضها، وربما ما خفي منها أعظم.
ففي كل الحروب والكوارث والمصائب، تظهر طبقة من البشر لتستفيد منها، لتثرى أو تشكل نفوذها الخاص، أو تتوسع في تجارتها، أو لتزيد أتباعها، أو لتطيح بمنافسيها، أو لتثبت صواب وجهة نظرها التي ما فتأت ترددها لسنوات خلت، أو لتطبق ما اشتهرت به وزيرة الخارجية الأميركية السالفة كونداليزا رايس بما أسمته “الفوضى الخلاقة” حيث تجري بعثرة مكونات اللعبة، أو تركها تتبعثر فلربما بانت زوايا وقواعد أخرى للعبة لم تكن موجودة من ذي قبل، فليس النظام والانضباط بأمر جيد على طول المدى، خصوصاً إن كان اللاعبون ليسوا متضررين مباشرة من هذا الاضطراب والفوضى، ولا يحرق ثيابهم البهيّة شررها المتطاير، بل هم المستفيدون منها لأنهم خارج الحسابات وليسوا في عمق المعمعة.
وفي مجتمع متناهي الصغر، بالغ الالتصاق بين أفراده بعضهم ببعض، وبحسب تعبير أحد الأدباء “يطل كلٌّ منهم في إناء الآخر”، لا توجد فيها مساحة كافية أو مجالاً أو فضاء لكل فرد فيه؛ فإنه من الغرابة أن تبقى هاتان القراءتان للمشهد نفسه مستمرة، وعلى هذا الشكل من الحدّية المفرطة، والرغبة الغامرة لدى بعض من الجهتين لبسط قراءته ذات الاتجاه الواحد على الجميع. وفي الوقت نفسه، فإن بقاء الحال على ما هو عليه، على الرغم من انكشاف جميع الأوراق وما يراد أو يخطط له من قبل كل فريق في بلد يكون فيها السرُّ من أعزّ الأمور وأندرها، هو السرّ الأعظم بحد ذاته. فمن ذا الذي يعجبه أن يستمر الحال على ما هو عليه؟ ومن هو المتمسك بإنهاء الأزمة؟ ومن الناظر إلى أنه في كل يوم تتجدد فيه التوترات، أو يصاب فيه أحد (بصرف النظر عن إلى أيّ الفريقين ينتمي) هو يوم فيه خسارة كبيرة في ظل ساعة رملية عملاقة لا تتوقف عن التناقص في الزمن الذي يجري هدره بمجانية مفرطة ومرعبة في الوقت نفسه؟ هل هو الإهمال؟ اللا مبالاة؟ إدارة لعبة أكبر من الموجودة على الأرض هنا؟ هل هو الخَوَر وافتقاد العزيمة؟ هل هناك من في الخارج من لا يريد لأرض البحرين أن تهدأ وتستقر وعينه على مكاسب أو مغامرة يراد لها أن تنفذ عبر هذه البوابة؟ هل هي المكابرة وعزّة النفس التي لا تريد أن تعترف بالأخطاء، وتريد المضيّ في الشوط إلى آخره مهما كانت النتائج؟ هل تصعب هذه المسافة الفاصلة بين الأطراف ليلتقوا ويتشاوروا ويخرجوا بتصورات متقاربة لما يمكن أن يكون عليه الغد؟ من يسمم الأجواء ويوتّرها؟ ولمصلحة من؟
إننا اليوم، وعلى الرغم من الشهور الطوال التي مرت علينا، وعلى الرغم من استقرار الأوضاع بكيفيات مختلفة في دول الربيع العربي الأخرى التي ترافق معها زمنياً ما حدث في البحرين، لا نزال في مربعاتنا الأولى، ننظر إلى المؤشر العام للأحداث، ننتظر ارتفاعاً حاداً لمؤشر التوتر الأمني (حادثة العكر مثالاً) لتتحشد من أجلها الأقلام والأفلام، وتضخ جميع الوسائل الإعلامية ما يمكنها ضخه في شأنها من تحليلات واستطلاعات واستصراح وتحشيد، حتى تستنزف القوى والنفسيات، فتعود إلى أركانها في انتظار حادثة أخرى، أو واقعة أو تصادم، واللائمة هي نفسها التي تنطلق من الحكومة والمعارضة، وبنفس النَّفس، وبذات الطريقة، للجمهور عينه الذي يصدق طرفاً ويكذب طرفاً آخر، كما تنقسم قراءته اليومية لما يراه على الشوارع الرئيسية.
سيبقى البحث دائماً عن من يعلق الجرس، من يتقدم خطوات للمبادرة بالحل، ومن يتجاوز كبريائه الذاتي (وإن كان جمعي أو مؤسسي)، ومن يجيب على الأسئلة، ومن يطرح مشروعاً وطنياً متكاملاً، لأننا لسنا في بحبوحة من الوقت على كل الأصعدة، وللمفارقة مجدداً، أن كل طرف لا يزال يدّعي أنه أدى ويؤدي ما عليه من التزامات، وأنه بذلك مرتاح الضمير، ومع ذلك فإن الأزمة مستمرة!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .