العدد 1577
الخميس 07 فبراير 2013
التسامح والصفح: حتى لا نحـــــرث البحـــــر غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 07 فبراير 2013

من بين ما مجموعه ربما 50 شخصاً، جانب منهم من الأجانب غير الناطقين باللغة العربية، وجانب آخر منهم من البحرينيين الناطقين العربية “بصعوبة”، وبعض البحرينيين، تواجدت مساء الأربعاء الماضي (30 يناير 2013) في سينما سار، لمتابعة فيلم تبنته “المؤسسة البحرينية للمصالحة والحوار المدني”، ليعرض نماذج من المآسي التي وقعت في العقود الأخيرة على مستوى العالم، بعضها ما انتهى تماماً وبعضها ما لا يزال مستمراً ولا تبدو أن له نهاية قريبة، وذلك تحت مسمى “ما بعد الصواب والخطأ”.
طاف الفيلم بالمشاهدين بين الإبادة الجماعية التي جرت في راوندا في أبريل من العام 1994، وهي المذبحة التي نفذها أفراد من قبيلة الهوتو ضد أقلية قبيلة التوتسي، وراح ضحيتها 800 ألف قتيل في 100 يوم. وعرّج الفيلم على الأوضاع السابقة في أيرلندا الشمالية وهي تحاول الانعتاق من حكم المملكة المتحدة، والمحاولات العنيفة من قبل الجيش الإيرلندي للاستقلال عن بريطانيا منذ العقد السادس من القرن الماضي، وعلى مدى 30 عاماً تقريباً مما خلف 3254 قتيلاً. ووصل الفيلم إلى “العنف المتبادل” بين الإسرائيليين والفلسطينيين في محاولة كلا الطرفين تحقيق النصر الحاسم، وهو الأمر الذي يمرّ الآن في عقده السابع من دون حل أكيد ونهائي، وعدد ربما لا يحصى من ضحايا الحروب والعمليات العسكرية، والتهجير والطرد والتنكيل وغيرها من العمليات التي لم يحاول الفيلم تسميتها، أو إلقاء اللوم مباشرة على المتسبب فيها، ربما لأن ذلك لا يعنيه، إنما تعنيه الحالات الإنسانية في كل من الوقائع الكبيرة الثلاث، والتي تركت جانباً من القتلة، وجانباً آخر من الضحايا في المكان نفسه، وتركت الزمن ليجعل الطرفين يعيدان التفكير فيما فعلاه في بعضهما البعض، وكيف يتخلص كل منهما من عقده التي لازمته من أجل بدء حياة جديدة خالية من الذنوب أو الرغبة في الانتقام، بعيداً عن الصواب والخطأ في القرار الذي اتخذه (خصوصاً الطرف المعتدي) في لحظة الاعتداء، لأن ذلك لا يمكن تفسيره بعد مدة من الزمن.
في الفيلم قصة رجل من الجيش الإيرلندي يدان بتفجير فندق يقتل فيه وزير بريطاني، فيندم بعد سجن دام 14 عاماً ويطلب لقاء ابنة الوزير ليعتذر منها. وفلسطيني يفقد ابنته برصاصة قناص إسرائيلي، وإسرائيلي يفقد ابنته بتفجير فلسطيني، يلتقيان من دون رغبة في الانتقام لتجاوز الألم وسعياً للسلام، وإسرائيلية تلقي محاضرات عن أهمية السلام لأنها فقدت ابنها في إحدى المعارك، وقاتل من الهوتو يتوسل سيدة قتل خمسة من أطفالها أن تغفر له، ولم يكن لها من بد أن تغفر له في النهاية لأن أي شيء ستفعله لن يعيد أبناءها. وراوندي آخر من التوتسي يذوب تعاطفاً مع من قتل والدته ومثّل بجثتها، وقتل كذلك جميع إخوته الأحد عشر، يجلس إلى جانبه في السجن يستمع لروايته ويدوّنها، ولولا بعض الحياء لاحتضنه!
إن الحالات الإنسانية التي عرضها الفيلم، وتلك الأخرى التي لم يعرضها، كالذي حدث في البوسنة والهرسك مثلاً والتي راح ضحيتها حوالي 110 آلاف بوسني مسلم، أغلبهم في مذبحة سربرنيتشا المشهورة، كل هذه الحالات تشترك في الألم بمعانيه المختلفة، وأشكاله المتعددة، وأهمها الجرأة والصلافة والتكبّر والاستبداد المؤدي إلى الاعتداء على حيوات أناس آخرين فقط لعدم الاتفاق الفكري أو العرقي أو الديني أو السياسي معهم، وهذه واحدة من أكبر المصائب الإنسانية التي تقترب فيها البشرية من الطبائع الحيوانية الشرسة، ومع ذلك، فإن لكل ألم مصدر وسبب مختلف عن الآخر، ما يعني أن كل حادث له علاجاته المناسبة، وطريقة تناول تتلاءم معه.
ظل التساؤل الذي يتقدم مع كل مشهد من مشاهد الفيلم: وما دخل البحرين بكل هذا؟
يقترب الجواب من أن المؤسسة البحرينية التي تبنّت عرض هذا الفيلم على أنه أحد أنشطتها الرامية إلى “المصالحة” ربما أخطأت من حيث أرادت أن تصيب، وذلك لعدد من الأسباب، وهي أنها تحدثت عن “كل قضايا الكون” ولم تتحدث من خلال الفيلم عن الوضع البحريني المختلف تماماً عن القتل بالمناجل، والاعتداءات الجماعية بين الناس والناس، والبعيد كل البعد عن الوضع الفلسطيني الإسرائيلي، فالأمر هنا مختلف، إذ لا يمكن معالجة اختلال عصبي عن طريق طبيب أمراض نسائية مثلاً، كما لا يمكن أن يُطلب من نجار أن يحفر قناة مائية. فاختلاف المعطيات والوقائع والتواريخ والجذور الخاصة بالمشاكل المعروضة لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بما هو واقع في البحرين. فالمشكلة هنا ليست أصعب أو أسهل، ولكنها ببساطة: مختلفة جداً عمّا تم طرحه، وبالتالي، فإن عرض هذا الفيلم، وقبله الإتيان بخبير من إيرلندا الشمالية ليروي نماذج وقصص في التسامح والتجاوز والصفح، هي من الخطوات التي ليست في محلها تماماً.
نحن في هذه البقعة من الأرض تعرضنا لعسف له مرجعياته وأسبابه ودوافعه، ولدينا تقرير وضعته لجنة مستقلة بذلت فيه جهداً لم يكن لينكر، وأقرّته الأطراف ذات العلاقة، وإن بتحفظ. أخذت منه ما يناسبها ويقوّي موقفها، وتركت كلٌّ منها ما يدينها وأشاحت عنه وكأنه ليس بوارد في التقرير، شككت فيه ولكنها استندت إليه.
كل ما هو مطلوب من البحرينيين اليوم أخذ نفس عميق، وإعادة قراءة التقرير فقرة فقرة، وإقرار ما عليها قبل التهليل بما لها، والتقدم باعتذار للطرف الآخر، أياً كان، بأنها أخطأت، ربما جانبها الصواب، ربما لم يكن الظرف طبيعياً عندما أقدم أي جزءٍ من المكوِّن الوطني لاقتراف ما اقترف، ألا نتعالى ونتصلب ونغالي، لا في المطالبة ولا في عدم الاعتذار، أن نجد ساحة حقيقية للحوار المدني بطريقتنا، ببساطتنا، بنزقنا، وحتى بـ “دثاوتنا” إن تطلب الأمر، فإن هذا سيكون أفضل وأكثر فعالية من استيراد كل شيء، بما فيها حلول الآخرين.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .