من حيث المبدأ فإن وزير الصحة صادق الشهابي هو آخر من ينبغي تسليط ضوء المحاسبة عليه من قبل السلطة التشريعية، فهو المسؤول الذي جاء لوزارة عانت الأمرين واستطاع بدماثته وصبره ودبلوماسيته ان يتحمل هذه الحقيبة المليئة بالمشاكل وأن ينجح في وضعها ضمن الوزارات التي تنعم بالهدوء بل وتتمكن من اعادة مستشفى السلمانية الى صوابه باعتباره مرفقا مسؤولا عن الحق الدستوري في توفير الرعاية الصحية للمواطنين مبتعدا عن السياسة ومجرياتها التي شوهت أغلب مواقع العمل والخدمات.
استجواب الشهابي كان موضوع الساعة الأسبوع الماضي – رغم تفاهة وسذاجة الأسباب - الا ان موضوع الاهتمام اخذ منحى مختلفا تماما حيث شهدنا جميعا فشل النواب الذين حركوا ملف الاستجواب فشلا ذريعا في جمع (27) صوتا اي ثلثي اعضاء مجلس النواب، رغم انهم استطاعوا ان يجمعوا اكثر من نصف الاصوات بقليل وهو امر في اي مجلس نيابي في اية دولة ديمقراطية تستطيع ان تحقق به منجزات تصل حتى التغييرات الدستورية.
هذا المأزق صنعه نواب الفصل التشريعي الماضي حينما توافقوا على تقليم الديمقراطية في البحرين بحيث افقدوا مجلسهم النيابي اهم ادواته، وهي استجواب الوزير فالجميع يعرف ان حشد اكثر من ثلثي اعضاء المجلس التشريعي لمحاسبة وزير يعتبر شيئا من المستحيلات، اذا هذا التشويه الذي احدثه نواب الفصل التشريعي الماضي في اللائحة الداخلية للمجلس في الحقيقية تشويه لمبادئ ميثاق العمل الوطني الذي اتاح للبحرين ان تحقق تحركا ديمقراطيا الى الامام كنا ولا نزال نفاخر به.
على كل حال التاريخ لن يغفر للأعضاء الذين صوتوا لتغيير القانون بما يفضي الى حرمان الشعب البحريني من محاسبة المتلاعبين في مستقبله وفي المال العام للوطن، لكن الخطورة سكوت نواب الفصل الحالي على هذا التشوه دون ان يحركوا ساكنا للتغيير وإعادة الامور الى صوابها، وهذا يحملهم ذات الذنب الذي يحمله السابقون، والآن مع اشكالية الفشل الذريع الذي تحقق في قضية استجواب وزير الصحة اصبح صوت الجرس واضحا، بل وأصبحت ديمقراطية البحرين في المحك، والمكتسبات التي تحققت من خلال ميثاق العمل الوطني مهددة بل قد يوصف مشروع البحرين التصحيحي والإصلاحي - بالسكوت عن هذا القانون - بأنه في حالة تراجع وهذا ما ينبغي على كل السلطات وفي مقدمتها المجلس النيابي الاستماتة للتصحيح وعدم السكوت على اخطاء ارتكبها بعض النواب للمزايدات الاستهلاكية من اجل كسب ود الدولة بجهل تام.
بالطبع العديد من النواب الذين دعموا هذا القانون الذي يقلص صلاحيات المجلس النيابي، في الفصل التشريعي الماضي هم موجودون اليوم على كراسي التشريع ويستوعبون جيدا ان فعلتهم تلك هي وراء فضيحة فشل الاستجواب الأخير، التي افضت الى بلوغ الناس درجة سيئة من احباطهم من سلطتهم التشريعية بوصفها صوتهم الوحيد الذي يجب ان يكون مسموعا ومؤثرا في مسار الدولة والقرار فيها، فكيف يتحقق ذلك وهذه السلطة تم تجريدها من اهم اداة تمنحها الهيبة والتأثير في سير عمل الدولة على اختلاف قطاعاتها.
إن السكوت ليوم واحد على اللائحة الداخلية بهذا التشوه المزعج يجعل من جميع النواب الحاليين مسؤولين عن التراجع في صلاحيات السلطة التشريعية، ويكونون شركاء زملائهم الذين ارتكبوا الخطأ الجسيم في حق الدولة والناس والمشروع الاصلاحي بتشويه اللائحة في الفصل التشريعي الثالث في المرحلة التكميلية على وجه التحديد، حينها علينا جميعا ان نعرف ان السلطة التشريعية بهذا السكوت ارتضت ترك الوزراء والسلطة التنفيذية بدون محاسبة جادة ذات هيبة، مع احتفاظها بصلاحية السؤال والاقتراح برغبة وهما امران لا يتجاوزان الاهداف الاعلامية وسباقات “البروباغندا” السمجة التي تجعل من الشعب البحريني حانقا على سلطته التشريعية بسبب اصرار ممثليه على اللعب على اوتار باتت مكشوفة اهدافها بالنسبة له.
أي موضوع موجه لمراقبة السلطة التنفيذية مع الإبقاء على تشوهات اللائحة الداخلية فإن الشعب البحريني ينظر له باعتباره محاولة جديدة للضحك على الذقون، اصبحنا نعرف بالتجربة العملية ان النواب ليسوا سوى (خيال مآتة) كما يسميها إخواننا المصريون أي فزاعة لا ينخدع بها الا بعض الطيور ولا تؤثر في المشهد، وهذا امر ان كان اليوم يشوه السلطة التشريعية فإنه على المستوى الدولي يشوه سمعة البحرين ويشكك في كل اجراءاتها، والأمر معلق في رقاب من يدعي الوعي ويدعي الجدية في العمل.