قلنا من قبل إن ما حدث في مؤتمر حقوق الإنسان في جنيف من أكثر من أسبوع لا يمثل نهاية حقبة كما يعتقد البعض أو يصور من يريد ذلك الأمر وكأنه في حكم المنتهي، بل ستترتب على المؤتمر أمور كثيرة قد لا تبدو واضحة وتبعات قد تكون أشد مما فعله آخرون قبل ذلك وربطوا الدولة بالعديد من الالتزامات التي ظهرت آثارها بعد ذلك، المهم أن القضية الحقيقية تتمثل في ما بعد المؤتمر وليس المؤتمر نفسه، فمؤتمرات حقوق الإنسان لا تتوقف ومنظماته تعمل ليل نهار والعلاقات الشخصية لها دور أساس في التقييمات والمواقف التي تتخذها تلك المنظمات.
تنادت أصوات كثيرة تطالب بمحاكمة من مثل (المعارضة) حيث نسميها بهذا الاسم لأنه متداول حاليا مع انه لا يمثل حقيقة الوضع، المهم أن البعض منا يعتقد أن هؤلاء المعارضون أو من تحدث منهم بما يرى أنه مفقود في المملكة وطالب بمحاسبة الدولة على ذلك لم يفعل جرما جنائيا يمكن أن يحاسب عليه بل هو عبر عن رأي يحمله مفاده – هذا الرأي – أن هناك حقوق للإنسان مفقودة عندنا حاليا أو هناك انتهاكات حدثت لحقوق الإنسان في الدولة إبان الأزمة العام الماضي ولدى البعض منهم علاقات قديمة أو ربما جديدة مع منتمين لمنظمات حقوقية أجنبية حاولوا استثمارها في هذه القضية ثم ردت الدولة رسميا على كل ذلك وانتهى مؤقتا ذلك الموضوع، فهل يعد ذلك جريمة جنائية يمكن أن يحاسب عليها أولئك أم لا؟.
برأيي فإن ذلك لا يتجاوز خلافا في الرأي والموقف من بعض الأمور ولا يصل إلى مرتبة الجرم الذي يمكن أن يحاسب عليه صاحبه وإلا فإننا نعطي المبرر الجديد للغير للقول إن الدولة تحاكم البشر بسبب رأيهم وتعبيرهم عن ذلك الرأي مع أن تجاهل الأمر وما حدث هو أقوى بالنسبة للدولة من تقديم أي فرد للمحاكمة وفي ذلك التجاهل تعبير عن موقف مفاده أن حرية التعبير مكفولة في الوطن وان الجميع يصرحوا علنا بما يرونه حتى وإن كان مخالفا لسياسة الجولة ومع ذلك لا تتم محاسبتهم على ذلك، وفي نهاية الأمر يكون ذلك بمثابة سحب البساط من تحت أقدام من يجاهرون بانعدام أو انتهاك حقوق الإنسان في المملكة.
والأدهى من ذلك أننا نسمع هذه الأيام نوعا من المطالبة بتكبيل حرية الرأي وسن القوانين المقيدة لتك الحرية وهي دعوة للعودة إلى الخلف، والمصيبة أن ذلك يأتي من بعض أعضاء المجلس النيابي الذين من المفترض أن يكونوا أشد الناس دفاعا عن حرية المواطن الشخصية وعلى رأسها حرية الفرد في التعبير عن رأيه وعن معارضته لسياسة الدولة بصورة سلمية. من ينادي بسن قوانين مكبلة يبدو أنه لا يرى إلا تحت قدميه ولا يحاول استكشاف طريق المستقبل وقد يكون بعيدا عن ما يجري حولنا سواء في وطننا العربي أو حتى في العالم أجمع وكيف أن حقوق الإنسان، ومنها بطبيعة الحال حرية الرأي وحرية التعبير عنه، أضحت جميعها من المعايير التي تقاس بناء عليها علاقات الكثير من الدول، بالتالي فإن سن بعض التشريعات المكبلة لتلك الحريات والسالبة لتلك الحقوق سيكون مردوده سلبيا على الدولة ليس في علاقاتها مع الدول الأخرى فقط، مع أهمية تلك العلاقات، ولكنها بالإضافة إلى ذلك ستزيد الاحتقان الداخلي وتزيد من الفجوة الموجودة بين مكونات المجتمع ككل.
ثم إن تلك التشريعات المراد سنها ستتناقض حتما والتعهدات التي وردت من خلال التوصيات الموافق عليها من قبل الدولة في مؤتمر حقوق الإنسان الأخير، لذلك من المهم أن نقرأ ونعي ما هو مطلوب قبل الدعوة لأي تشريع لا يتناسب والمستقبل.