مشكلة السياسة أنها تمارس من قبل من يعرفها ومن لا يعرفها من دون معايير والكل يعتقد بأنه من العارفين بأمور السياسة، مع العلم بان السياسة موهبة مثل الفن والشعر، والفرق بين سياسي موهوب وبين من يمارس السياسة من دون موهبة مثل الفرق بين الشاعر الموهوب ومن يريد نظم الشعر دون أن يكون شاعرا.
ويتغلب الرؤساء في الدول على عدم وجود الموهبة بإحاطة أنفسهم بالمستشارين الموهوبين إن تصادف ووفقوا إلى العثور عليهم لان ليس كل مستشار يعرف بعض أمور السياسة يعتبر موهوبا، وفي الدول التي تجذر فيها دور الأحزاب تتولى هذه الأحزاب ومن خلال قاعدة عريضة من الأعضاء التعرف على الموهوبين إن وجدوا، وهم قلة على كل حال وتقدمهم هذه الأحزاب بفضل الديمقراطية الموجودة في العمل الحزبي في الدول المتقدمة.
هنالك مما يمارس من عمل سياسي على مستوى الاحتراف ويمكن للمهتمين بالسياسة مراقبة هذا العمل أو المنتج السياسي الذي يعلن عادة ويتصدر نشرات الأخبار ومن أراد ان يعرف كيف تكون الموهبة في العمل السياسي عليه ان يرقب ويتابع الشأن السياسي المرصود ليرى مدى الدقة والاحتراف في هذا العمل، وفي هذه الأيام تتوالى فصول لعبة سياسية تمارس على مستوى الاحتراف والموهبة وهي فرصة لمن يريد المراقبة والتحقق من أن السياسة موهبة وليست ممارسة او علم او شهادات وان كان العلم يصقل الموهبة ويشحذها فمن هذا الباب يستفيد السياسي الموهوب المتعلم.
المناسبة السياسية التي ندعو إلى مراقبتها هي لعبة السياسة الأميركية الإسرائيلية التي يمارسها الطرفان معا في عملية التهديد بالحرب لكل من إيران وسوريا والمقاومة في لبنان، هذه اللعبة من مقتضياتها ان يكون التهديد جديا الى الحد الذي قد يجبر الطرف الآخر على القبول بما كان يرفض القبول به، وفي نفس الوقت هذا التهديد يجب ألا يتأكد معه ان الحرب واقعة وأكيدة وإلا فانك ستعطي الخصم الحق والتفكير بضربة استباقية، وفي نفس الوقت إن تأكد أمر الحرب يفقد من يريد شنها عنصر المفاجأة الضروري في كل حرب ناجحة، وفي هذه الحالة تمارس لعبة التهديد بشكل يؤدي إلى التساوي تماما بين إمكانية أن تقع الحرب أو ألا تقع، بمعنى انك لو وضعت إمكانية وقوع الحرب في كفة ميزان وعدم إمكانية وقوعها في الكفة الأخرى لتأرجحت الكفتان وتساوتا تماما، ومن يود التأكد من ذلك فليرقب تصرفات الطرفين الأميركي والإسرائيلي من عملية التهديد بالحرب مجددا في الشرق الأوسط، فان استطاع ان يرجح وقوع الحرب او يرجح عدم وقوعها وكان ترجيحه صحيحا فمعنى ذلك ان أميركا وإسرائيل لا تمارسان السياسة على مستوى الاحتراف، لكننا وحتى هذه اللحظة نستطيع التأكيد أن احتمالات الحرب متساوية مع احتمالات عدم وقوعها.
من باب التذكير فان اللعبة نفسها مورست عام 1991 عندما أعدت أميركا للحرب ضد العراق فحتى مساء الليلة التي شن فيها الطيران الأميركي أول هجوم، كان العراقيون والمراقبون السياسيون ممن لم يعط لهم خبر وقوع الحرب الأكيد تتساوى لديهم الاحتمالات بوقوعها من عدمه.
إنها لعبة السياسة عندما يمارسها المحترفون فحتى إيران الآن لا يستطيع فيها سياسي تأكيد أمر وقوع ضربة عسكرية لبلاده ولا سوريا تعلم أيضا أن حربا أكيدة ستقع ضدها؛ فالسياسي المحترف يستعمل الواقع ويستغل كل العناصر التي تلقي بها الصدف او الواقع أمامه ليجعل تفسير تصرفه يحتمل أكثر من احتمال ومن لمسات الموهبة أن يجعل هو الاحتمالات متساوية تماما.