العدد 2760
الخميس 05 مايو 2016
الأسئلة الثقيلة
الخميس 05 مايو 2016

نحن العاملون، الموظفون، الطاحنون، المطحونون، الجالسون على الكراسي، الطامحون إلى الكراسي، المندسون في الطرقات، والمسجلون في الدفاتر، منتفخو الملفات، هزيلو الرواتب، المدججون بالخبرات، المتطاولون في الخدمة المدنية أو العسكرية سنوات، المسلحون بالعلوم والمعارف، المتفاوتون في الرتب والدرجات، المرتعدون على الدوام مما يمكن أن يحمله الغد، الواضعون الأيادي تحت الخد، الساخطون دوماً على العلاوات، المتحسرون أبداً على رواتبنا مقارنة برواتب المواطنين في الدول الواقعة إلى غربنا المتقافزة، المتعيشون على الإشاعات بأن شيئاً سيحدث ليفك هذا الجمود في المعايش، الصامدون بفضل النكات التي أظهرت خلالاً وخصالاً جديدة لهذا الشعب الذي كنا نظن أنه بات ثقيل طينة ولكننا اكتشفنا أن ثقل الجيوب تسبب ثقل الدم، فطوبى لمن خفّ جيبُه، وبدا بين الأمم واضحٌ عيبُه... نحن هؤلاء جميعاً نسأل ونتساءل، ويحق لنا ذلك، بل من واجب من نعيل أن نسأل: لماذا يجري تهديدنا والتلويح لنا بالرواتب والمميزات التقاعدية؟! لماذا بين فترة وأختها تتسرب إلينا الشائعات الملعونة الأخوات التي تربّي الرعب في الناس؟! لماذا يجري تهديدهم بإفلاس المؤسسة التي يفترض أن تحميهم في ضعفهم وبعد أن يكونوا قد أفنوا زهرة شبابهم في خدمة وطنهم ومؤسسات وطنهم وفي كل المواقع؟ حسنٌ... لن نقول خدموا لأن الأمر متبادل، عملوا وتقاضوا رواتب لسنوات طويلة، ووضعوا جزءاً من هذه الرواتب بفلسفة جميلة جداً، وخبرة مجربة عالمياً في صناديق للتقاعد، وذلك حتى لا ينتهي المطاف بالفرد منا ليمد يده في نهايات عمره يسأل الناس، أليست هذه هي الفلسفة؟ إذا لماذا نعود إلى النقاط التي انطلقنا منها، ليجري تخويفنا بهذا الشكل من المستقبل؟! على فكرة، نحن لسنا مؤمّنين لدى الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية، وإنما نحن مؤمَّن علينا.. أي أننا لم نختر ولكننا أجبرنا على الدخول في هذا البرنامج لأن قطاعا كبيرا من الناس لا يحسن إدارة تقاعده والتفكير فيه، أليس من الواجب أن يضمن المجبِر المجبَر؟ أليس من المنطق أن لا يجري التلاعب في أموال هذا القطاع العريض جداً من المؤمّن عليهم، فمرة تُسحب لبناء مركز للمعارض، ومرة.. ومرة.. ومرة، فقد كان التمرين الذي أجري في الدورة الأولى من البرلمان عن “أموال الهيئتين” كافياً لكشف الاستهتار والاستهانة بمقدّرات الناس ومستقبلهم والتعامل مع مدخراتهم على أنها شبيهة بأموال تدرّها المصادر الطبيعية، فلو ضاعت... ضاعت، لا يهم. هل يمكن أن نعرف ما الذي آلت إليه التحقيقات السابقة؟ هل يمكن أن نعرف كيف يمكن ألا تتكرر مثل هذه السحوبات من دون ضمانات؟ هل يمكن أن نعرف فيمَ يجري استثمار أموال الناس الذين يسددون الاشتراكات لأول شهر في حياتهم، وأولئك الذين سيسددون آخر اشتراك لهم؟ هل ما كانت تبوح به الهيئة (قبل الاندماج) من أنين بسبب استثناء الأجانب من التأمين بما يجعل المزايا تستمر والاستقطاعات تتناقص وصولاً للعجز الاكتواري، مستمر؟ ألم يتحرك من يحله؟ ألم يستشعر أحد ما الذي يمكن أن يجري لو انطبق الدخل مع المصروفات في هذه الهيئة مع النقصان المبين في دخل الدولة التي لا غيرها يمكن أن يقوم بدور الضامن؟ أي مشكل سنقع فيه جميعاً، وأي ألم، وأي انفلات، وأية أزمات سترخي سدولها على مستقبل هذا البلد على اعتبار أن البلدان إنسان، وإذا كان الإنسان غير مطمئن  في سربه، ولا يدري إلى أين تؤول مدّخراته التي كان يأمل أن تقيم صلبه وتحميه من عاديات الزمن، أين ستذهب في اليوم الذي هو أحوج فيه إليها، فما العطاء والإنتاج والإنجاز الذي يمكن أن يحققه بأيدٍ مرتعشة، وأملٍ مهدد، وفكر مشوش؟ فلقد شاهدنا العلامات الصغرى لما سيحدث في الغد عندما رأينا موظفين في قمة عطائهم، واكتمال خبراتهم، ووقوف الكثير منهم على مفترق البذل العملي؛ وهم يتقافزون من سفن الأعمال في الوزارات والمؤسسات الخاصة، ويفرّون منها فرار الخائف الوجل، ويحرمون الوطن من هذا التراكم الجمّ، فيقدّمون استقالاتهم، ويتقاعدون من أعمالهم مبكّرين، حيث تناهى إلى أسماعهم أن هناك مرسوماً قد يصدر بين ليلة ليلاء، وضحى لا يقل حلكة عنها، يلغي مكافأة نهاية الخدمة عن المؤمّن عليه، فبدل أن يحصل على مبلغ هو حصيلة عمله، وكدّه، وتعبه، وربما شقائه، عذابه اليومي خصوصاً مع الأمراض التي تنتج عن معاناة الطرقات في الغدو والإياب؛ ليقيم به مشروعاً، أو حتى يبدده كما يشتهي، فهذا ماله يعمل به ما يشاء ولن يحاسبه أحد فيمَ أنفقه غير رب العباد؛ فقد قيل سيجري تحويل هذا المبلغ/المكافأة إلى إضافات على الرواتب التقاعدية، أملاً في وفاة المستفيدين من الرواتب والمزايا فيعود الباقي من الأموال إلى الصناديق لتبقى دافئة أطول أمد ممكن. لا ندري لمصلحة من جرى تسريب هذا الخبر الذي أفزع الكثير من الموظفين، ولكن العلامات الكبرى ستكون بلا شك أشدّ وأٌقوى، والنتائج كارثية، ألا يعلم المستسهلون بمقدّرات الموظفين ومستقبلهم بالمثل الشعبي القائل “المال عديل الروح”؟ لن نطرح السؤال المشكك والمتشكك “لماذا يُطرح هذا الموضوع، ولماذا الآن تحديداً”، لأن التلويحات والتلميحات لها عمر طويل، وتاريخ عريق، ولكن كأنّ شيئاً ما يجري في الأثناء فتتأخر أهمية الموضوع عن الواجهة فيُنسى إلى حين، ولكنها عملية سلق المجتمع على مهل، وعلى نار هادئة ولفترة طويلة جداً، حتى إذا ما نزل القرار فلن يجد له صدّاً وشدة، بل سيكون لحم المجتمع طريا جداً لطول ما جرى غليه وطبخه بالإشاعات... وبالهناء والشفاء.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية