العدد 2875
الأحد 28 أغسطس 2016
وتأتي رياح موسكو بما لا تشتهي سفن طهران
الأحد 28 أغسطس 2016


عندما يحذرنا رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة من مؤامرات ومخططات ترمي إلى زعزعة استقرار وأمن المنطقة، ويدعونا إلى مضاعفة جهودنا والعمل على قلب رجل واحد من أجل توحيد كلمتنا وتعزيز قدرتنا على التصدي للأخطار التي تحدق بالأمة العربية، فإنه لا يقول كلاماً مرسلاً وإنما يوجهنا من منطلق رؤية ثاقبة وخبرة واسعة ودراية كاملة ببواطن الأمور في المنطقة.
نبّهنا سموه في مناسبات عدة إلى أن تطورات الأوضاع في المنطقة تتطلب تعاملاً خاصاً فيما يتعلق بآليات التعاون والتنسيق على المستوى الثنائي والإقليمي والدولي، ومن بين هذه التطورات المريبة التي تشهدها المنطقة الاتفاق السري الذي أبرمه النظام الإيراني مع روسيا، والذي يتيح لموسكو استخدام قاعدة “نوجه” العسكرية الواقعة بمحافظة همدان غربي إيران لتنفيذ عمليات عسكرية في سوريا.
أراد النظام الإيراني أن يظل هذا الاتفاق طي الكتمان، ولكن رياح موسكو أتت بما لا تشتهي سفن طهران، إذ كشف الطرف الروسي عن هذا التعاون المشبوه بنشر صور لمقاتلات روسية وهي تنطلق من القاعدة الإيرانية، وبالقطع تم الكشف عن هذا الأمر بإيعاز من سيد الكرملين فلاديمير بوتين، الذي لا يدع أي فرصة يمكن أن يستعرض فيها قوته إلا ويستغلها، فهو لا يتوانى عن الترويج لأي بطولات حتى ولو كانت وهمية، كنشر صور له وهو يمتطي جواداً ويبرز فيها عضلاته أو وهو يتغلب على خصم مستسلم في مباراة “جودو” بطريقة مبتذلة.
كشفت موسكو عن هذا الاتفاق بهدف الضغط على الجانب الأميركي، واستخدام القاعدة العسكرية في إيران كورقة جديدة تحسّن بها وضعها التفاوضي مع الغرب بشأن الملف الأوكراني. وقد تناولت أكثر وسائل الإعلام الغربية الموضوع تحت عنوان “زواج المصلحة” بين روسيا وإيران فيما يتعلق بالملف السوري، وأبدى معظم المحللين السياسيين الغربيين استغرابهم الشديد من هذا التطور، على اعتبار أنها المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي تنطلق فيها قوات أجنبية من قواعد عسكرية إيرانية لمهاجمة بلد ثالث.
لكنني أتحفظ على هذا الطرح لأن “زواج المصلحة” يظل في العرف الدبلوماسي عملاً مشروعاً، ولكن هذا الاتفاق يعد خرقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2231 بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي يتضمن بنداً يحظر بيع وتجهيز ونقل الطائرات المقاتلة إلى إيران، وهو أيضاً خرق للدستور الإيراني نفسه، حيث تمنع المادة 146 من هذا الدستور “إقامة أي قواعد عسكرية أجنبية في البلاد حتى ولو كانت على أساس الاستفادة منها في الأغراض السلمية”، وبالتالي لا ينطبق وصف “زواج المصلحة” على هذا الاتفاق، بل إنه يدخل في إطار العلاقة المحرمة.
كان نظام الملالي في إيران حريصاً على اخفاء هذا الاتفاق لانه يبين أن علاقة روسيا وإيران هي علاقة بين قوة كبرى وبلد أراد حكامه أن يجعلوه صغيراً، ويؤكد عجز وإفلاس ذلك النظام، رغم محاولات الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شامخاني البائسة لإلباس الاتفاق ثوب الحرب ضد الإرهاب.
يومًا بعد يوم تتساقط أوراق التوت كاشفة عن الوجه القبيح لنظام الملالي الذي لا يجد حرجاً في خرق دستور بلاده، ويومًا بعد يوم تتأكد لنا حكمة صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء عندما يحذرنا من مؤامرات ومخططات تستهدف أمتنا العربية ولا يلتفت إليها كثيرون، ولكن كما قال الشاعر: “ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً... ويأتيك بالأخبار من لم تزود”.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية