العدد 3009
الإثنين 09 يناير 2017
مجتمع لا يعرف أين هو ذاهب
الإثنين 09 يناير 2017

سيبدو هذا المقال وكأنه استكمال للمقال الذي نشر يوم الخميس الماضي، والذي دار حول موضوع الضغط المجتمعي والإعلامي على المتفوقين لدراسة الطب أولاً وثانياً وثالثاً، وكأنه لا معنى أو ترجمة للتفوق سوى الطب.

هنا أطرق الموضوع نفسه تقريباً ولكن من زاوية ثانية هي معنى كلمة “علم” أو “علوم”، إذ اعتاد أحد الزملاء السخرية من عبارة “علماء الدين” قائلاً: “العلماء السوفييت”، في إشارة إلى أن العلم لا يكون إلا للمنجزات الصناعية والتكنولوجية والعسكرية، وما جاورها من صناعات، ولكن بالنسبة للعلوم التي لا تُلمس، فهي يمكن أن تكون أي شيء، بأي تعبير، ما عدى “علماء”.

هذه أيضاً تعتبر واحدة من طرق رؤيتنا للأمور في الحياة، إذ لا يجري النظر للمتخصصين في “العلوم” الإنسانية، سواء كانت التربية، أو علم النفس، أو علم الاجتماع، أو علوم اللغة... بالجديّة الكافية، ولا تولى العناية اللائقة بها، ولا تعتبر واحدة من روافع الأمة في الجوانب التنموية.

ربما ورثنا هذه النظرة للعلوم بشقيها الإنساني والتطبيقي، نتيجة إحساسنا بالبون الشاسع في المنتجات التكنولوجية التي نلمسها بأيدينا، ونستخدمها في تسهيل حياتنا. وفي المقابل، إن نظرنا إلى ما في أيدينا من صناعات سنجدها تحبو أمام المنتجات التي لا تتوقف، ولا تترك لأحد أن يلتقط أنفاسه، أو يكون متآلفاً مع منتج ما، إلا وظهر تحديث عليه. 

فإذا كان الانبهار قد يصل مداه في ما يُلمس، ويمكن عدّه وإحصاؤه؛ فإن ما لا يقاس، وما لا يُعدّ سيكون هو الأكثر خطورة وأهمية ولا شك. فعلى المستوى النفسي هناك ازدياد ملحوظ في حالات الاكتئاب، ولكننا لا نعرف نسبتها، ولا أسبابها الدقيقة، على المستوى العام، إلى جانب الكثير من الأمراض النفسية الأخرى التي تنتجها أنماط الحياة، والتنافسية، والتأثيرات المباشرة وغير المباشرة للإعلام على المجتمع.

والإعلام بحد ذاته جملة من المنتجات، تصنعها علوم متعددة، منها التكنولوجي، ومنها النفسي، ومنها التسويقي، ومنها الاجتماعي، ومنها الفني، وهو (الإعلام) المخترق اليوم لكل الحدود، والمتطاول على سيادة الدول، والمشوّش لأفكار خصوم الأنظمة وأعدائها، والقادر على ترسيخ أفكار مكان أفكار.

وليس قليلاً الحديث عن الأفكار، فالأفكار لا ترى، ولا تمسّ ولا يُقبض عليها، ولكنها قادرة على التغلغل في الأفراد، ويمكنها أن تنتشر انتشار النار في الهشيم، ربما تكون أفكاراً نيّرة خيّرة، وربما تكون شريرة مجرمة. قد تعيد بناء نظراتنا إلى أنفسنا وإلى الآخر وإلى العالم، ربما تدفعنا إلى التطرف أو الاعتدال، إذ تتغير أفكار المجتمع بشكل مستمر، ولابد أن ينبري لها دارسون يتابعون ما الذي وصل إليه المجتمع، وما الذي يمكن أن ينتهي إليه، وما الذي أوصله إلى ما هو عليه اليوم. فمجتمعنا اليوم مختلف تماماً عنه قبل عشرين عاماً (مثلاً) ومعرفة هذا الاختلاف وأسبابه على درجة عالية جداً من الأهمية لنعرف إلى أين نحن ذاهبون.

الافتقاد للرؤية الشاملة للإنسان والمجتمع أساس الكثير من الصعوبات التي تظهر لاحقاً. فعبر العقود جرى الاهتمام بإنسان “التخصص العلمي” على حساب التخصصات الأخرى، وجرى الدفع بمتفوقي العلوم في مجالات محددة ليس أكثر، فيما كان نصيب دارسي العلوم الإنسانية وظائف مساندة بسيطة، في المقابل يجري إغلاق أقسام العلوم الإنسانية في الجامعات لعدم وجود شواغر في المجتمع، والمجتمع بأسره شاغرٌ فاغرٌ فاه في انتظار من يعلمه في شأنه ما لا يعلم.

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية