العدد 3011
الأربعاء ١١ يناير ٢٠١٧
ومضات
في الحرية (2)

ثانيا: هذه الدساتير في صلبها وأساسها تبحث وتعالج القضية الإنسانية الأولى وهي الحقوق والحريات التي يجب أن يتمتع بها البشر في جميع الأوقات والمناسبات وفي كل الأحوال، وتأتي باقي الأبواب والمواد المنصوص عليها في الدستور لتحوم حول تلك الحقوق والحريات وتمهد الطريق وتضع الأسس لصيانتها والتأكد من عدم المساس بها، بل حتى المواد التي تتحدث عن السلطات المختلفة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية وهي السلطات الثلاث التي تنص عليها جميع دساتير العالم تقريبا تتم صياغتها لعدم المساس بالحقوق والحريات التي يجب أن يتمتع بها الإنسان. وكانت حقوق الإنسان وحرياته من أكثر ما شغل الفكر الفلسفي طوال قرون عديدة من الزمان، وربما قبل تدوين التاريخ نفسه، حيث رأينا من خلالها ما تحدث عنه “أفلاطون” و”سقراط” في اليونان القديمة حول تلك المبادئ وكيف تمت معالجتها فلسفيا بصورة متقدمة – في ذلك الوقت – وإن كانت غير الآن بسبب ظروف تلك الحقبة من التاريخ ومتطلباتها. ما يمكن استخلاصه من مفهوم القانون الطبيعي وكذلك من الدساتير التي تمثل هما رئيسا عند الشعوب والأمم المختلفة في العصر الحديث هو أنها وسيلة يستطيع الإنسان من خلالها الحصول على حرياته وحقوقه المفقودة ووضع القيود على انتهاكها، وتقييد القوى التي يمكن أن تحاول المساس بتلك الحقوق والحريات سواء في الداخل أو الخارج.

ثالثا: هذا يعني بدرجة أولى أن الغاية من كل ذلك هي الحقوق والحريات التي يجب أن تكون لدى الإنسان والتي من خلالها يستطيع أن يشعر بذاته ويعيش حياته بصورة طبيعية كما أراد له الخالق عز وجل وبعث الرسل من أجله، والنتيجة الأخيرة لكل ذلك الإنسان الذي حمله رب العباد الأمانة.

 ولكن يبدو أن الإنسان وكما ذكرت الآية الكريمة “إنه كان ظلوما جهولا” يعمل دائما على الهدم، ويتجاهل ما لديه من نعم، ويدمر بيد ما يصنعه باليد الأخرى وكأنه يرفض أن يكون حرا ويستدعي القيود ليكبل بها يديه بعد أن عمل قرونا على إطلاقها، وحارب من أجل تلك الحرية، وعانى الكثير من أجلها، بل يعتقد في قرارة نفسه أنه بذلك يبحث عن الحرية أو يستخدمها مع أنه في الكثير من تصرفاته يعمل على وأد الحرية التي يعمل من أجلها... يتبع.

التعليقات
captcha

2016 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية