العدد 3012
الخميس 12 يناير 2017
يا منقذ البلاد
الخميس 12 يناير 2017

ما إن تجلس مع بحرينيين إلا ويدور الحديث، سواء أرادوا أم لم يريدوا، عن التردي الحادث في الكثير من القطاعات، والأسباب كثيرة جداً من وجهات نظر المتحدثين، ولكنها كلها تتحسر على ما كنا فيه، وما أصبحنا عليه، حتى بات الواحد منا لا يدري من أين يبدأ، وأين طرف الخيط ليتتبع التشوهات الكبرى الحادثة.

فهناك انفلات لا شك فيه في الكثير من المظاهر الحياتية اليومية، وما وجود “العشوائيات الأسواقية” إلا من أوجه هذه الانفلاتات التي صار من الصعب علاجها اليوم بعد أن استفحلت وصارت أمراً واقعاً، وبنى أناس كثيرون حياتهم عليها، بل وحتى الذين هم ليسوا بحاجة لهدم جدران منازلهم، وتحويل مرآب سيارتهم إلى محلات تجارية، أو الاستغناء عن الحديقة في مقابل رزمة نقدية آخر الشهر، صاروا يفعلون ذلك. 

أتقلب في المحرق لأجدها كلها سوقاً وسلسلة دكاكين، وكافتيريات، و”شاي كرك شاي ملكي”، واكسسوارات هواتف، ومحلات ملابس تجاور صالونات حلاقة تركية، وتتكئ على محلات بيع الفواكه والخضروات، وهناك من يبيع عسلاً، وذاك يجزّ الشاورما، لتجد صيدليتين متقابلتين تفصلهما ثمانية أمتار، فمحل للملابس الجاهزة، ومنجرة، وعلى هذا فقس.

ليس هذا في المحرق وحدها، ولا في المناطق القديمة وحدها، بل هو سرطان يتفشى في البلاد ويقلبها إلى مجموعة عشوائيات كيفما اتفق، وتتحول بموجبها الشوارع السكنية إلى تجارية، وما إن يثقب أحدهم جدار بيته حتى تبعه جيرانه من الجانبين كقطع الدومينو بل جدران منازلهم أسرع تهاوياً.

لا يجد السكان/التجار الذين حولوا واجهات بيوتهم إلى محلات، المرآب المنزلي الذي يركنون فيه سياراتهم، فيركنوها على الأرصفة المخصصة للمشاة والمارة في الأساس، ويأتي من يطلب كأساً من شاي الكرك ليعدل مزاجه فيسد نصف الشارع، ويضطر الآخرون للالتواء والالتفاف خلفه فيغلقوا المسار الآخر للشارع، وتبدأ الأبواق بالزعيق وترتفع إلى عنان السماء، يفتح أحدهم النافذة ليلقي كلمات نابية على الأطراف الأخرى، وصاحبنا لم يصل طلبه بعد فلم يتحرك من مكانه، ولا يهمه ما الذي يجري في الشارع خلفه، فهو يفعل ما يفعله الآخرون، ومادام لا رادع لأحد، فالفوضى هي السيدة المرخية سدولها على الشوارع التي باتت مقززة يوماً بعد يوم.. إنه مشهد يزداد قبحاً، ويجعل الخروج من المنزل صعباً، والتفكير في العودة إليه لا يخلو من التوقعات السلبية والذكريات المريرة.

لنواجه المشكلة، إننا أمام ارتخاء إداري عام يسمح لمن أراد أن يفعل ما أراد. فعلى الرغم من كثرة الهيئات البلدية اليوم أكثر من ذي قبل، إذ صارت لدينا بلديات، ومجالس بلدية، ونواب مناطقيون يقومون بعمل الممثلين البلديين ويزاحمونهم، ومع ذلك صار حالنا أسوأ من قبل 30 عاماً، والتردّي لا يحتاج أدلة ولا الحلف بأغلظ الأيمان.

إننا حقاً بحاجة إلى حزم إداري، حزم من غير قسوة، يفرمل تردّينا نحو الهاوية، ويعيد ترتيب الأوضاع، ولو مع بعض الأوجاع، ولكن هناك ما يسمى بالمصلحة العامة التي تتعدى مصلحة “راعي السمبوسة”، ولكن لكثرة المخالفين، صاروا هم “العامة” الذين يجب أن تراعى مصلحتهم... من أين أبدأك يا حل؟!.

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية