العدد 3044
الإثنين 13 فبراير 2017
مجتمعات الماء والطحين
الإثنين 13 فبراير 2017

تجربتان في السنة المنصرمة لنا فيهما عبرة لو ابتعدنا عن المشهد بعض الشيء، بدلاً من الانغماس فيه. الأولى الاستفتاء البريطاني الذي قاد إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والثانية ما قاد جانباً من الأميركين ليختاروا دونالد ترامب رئيساً لهم، وفي الأمرين هناك الكثير من القواسم المشتركة التي تم طرحها في هذه المساحة تساوقاً مع ما يجري في الساحة الدولية من حراك وحوارات في هذه الوقائع التي تعتبر مستجدة على الساحة الدولية.

لقد قيل ما قيل في مسألة صعود التيار اليميني في الدول الأوروبية، نتيجة مخاوف – مبررة لا شك – من تنامي التيارات الإسلامية، ليست السلمية منها، ولكن العنفية. ومع غير قليل من الشكوك بأن هناك افتراءات وافتئات على المسلمين، وهناك الكثير من الأقاويل في شأن بعض العمليات التي وقعت في السنوات القليلة الماضية، من وجود الأوراق الثبوتية سليمة في موقع الجريمة بينما الحرائق قد التهمت كل شيء، ومع ذلك فإن القصص الخالية من هذه الشكوك تكفي لتبثّ الرعب في مجتمع يرى جانب منه أن ذنبه الوحيد أنه آوى إليه خائفين فارّين من الرعب والموت والملاحقة، ليلتقطوا أنفاسهم ثم ينقلبوا عليه!

إلا أن واحداً من أهم القواسم المشتركة بين الحالتين (البريطانية والأميركية)، وربما بعض الحالات الأخرى في أوروبا أيضاً، ذاك الذي يتعلق بلقمة العيش وفرص الوظائف الآن ومستقبلاً، فلا أحد ينكر فضل العمالة التركية على ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن وجود كثرة تركية، بالإضافة إلى مئات الآلاف من النازحين السوريين، يعني أن فرص الوظائف ستنحسر. صحيح أن أوروبا عموما دخلت مرحلة شيخوخة المجتمع منذ أكثر من عقدين، ولكنها لا تزال تعاني البطالة كما تعانيها الكثير من دول العالم، ووجود العمالة الرخيصة في الكثير من الوظائف سيقلل فرص الحصول عليها من أبناء البلاد الذين اعتادوا نمطاً معيناً من العيش، وهذا سيجرّهم إما إلى التخلي عن الوظائف الدنيا، أو الرضوخ للرواتب الأقل والامتيازات الأضعف لأن المنافسة قوية.

الأمر نفسه دغدغ به ترامب عواطف الناخب الأميركي عندما صرّح ببناء جدار عازل على الحدود المكسيكية، لا لأمر الأمن هذه المرة، ولكن من أجل الحد من تدفق البضائع والأيدي العاملة الرخيصة.

الأمر نفسه، لو نظرنا إلى مجتمعاتنا، فإننا أيضاً ننزعج من هذا التدفق الذي لا يترك أي فراغ في المجتمع إلا وسدّه، ليمثل الحل لعزوف المواطنين عن طائفة كبيرة من الأعمال، ويصرّحون أنهم ليسوا (جنسية معينة) لكي يعملوا هذه الأعمال، وشيئاً فشيئاً تضيق خيارات الأعمال التي “تليق” بالمواطن، ليشكو من المنافسة الشرسة من دون أن يدنو من موضع الشكوى، أو يجرؤ على المزاحمة العكسية حتى يكون جديراً بملء الفراغات صغيرها وكبيرها.

إن المجتمعات لتخاف افتقاد الأمن واللقمة، والأمران قد تأتي بهما الموجات البشرية التي تغرق البلاد من دون فرصة للتبادل الثقافي الطبيعي، والاستيعاب الطبيعي، ومن دون النظر إذا ما كانت البلاد قادرة على تذويب “القادم” في “القائم” بشكل تدريجي وطبيعي، ما عدا ذلك، فيمكن تفهم اتساع قاعدة اليمين الأوروبي وارتفاع صوته، الأمر المرشح للحدوث في أي مجتمع يرى أنه مهدَّدٌ في أمنه ولقمة عيشه.

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية