العدد 3047
الخميس 16 فبراير 2017
ضع نفسك مكاني
الخميس 16 فبراير 2017

كنتُ صغيراً في المرحلة الإعدادية عندما وطأتُ بقدمي زجاجة مكسورة لمشروب غازي، فأحدثت الزجاجة جرحاً عميقاً في قدمي اليسرى اضطرّ والدي – رحمه الله - على إثره أن ينقلني للمستشفى لأخضع لأول “عملية” في حياتي وكانت خياطة القدم. في اليوم التالي كنت أشاهد برنامجاً على التلفزيون لأطفال يجرون مرحين، فنظرت إلى قدمي – بشكل تراجيدي – لأحدّث نفسي: هل يا ترى سأتمكن من الجري مرة أخرى مثلهم؟!

أتذكر هذه الحادثة العابرة كلما طالب أحدهم الآخرين أن يضعوا أنفسهم مكانه، أو يدّعي أنه يضع نفسه مكان الآخرين، لأنني أعتقد أن النُّدرة من الناس هم من يمكنهم الانسلاخ عن اللحظة الراهنة التي يعيشونها ليتقمّصوا أدواراً غيرها، ويشعروا بشعور الآخرين ليقدّروا الألم أو الضرر أو الحزن الذي يشعر به الآخر، أو حتى ربما مقدار السعادة، فعندما يصاب الفرد منا بالصداع الشديد ولا تسعفه المسكّنات، قد لا يجدي نفعاً أن يأتي متحاذق ليذكّره بعدد الأيام السعيدة التي عاشها من دون ألم الصداع، إذ ربما يأخذ المتألم في تلك اللحظة أول ما تصل إليه يداه ليرمي به صاحب هذه الفذلكات، كما لا يمكن أن يسترجع المتخم شعور الجائع، ولا يشعر البردان بحرارة شمس الصيف، وهكذا.

الأمر نفسه ينطبق أيضاً على التفهّم الذي نطلبه ونطالب به، فغالباً لا يطلب التفهم إلا من هو في الموقع الأدنى والأضعف لأنه يريد من الطرف الآخر أن يشعر بشعوره فيما لو كان هو في مكانه، ألن يتصرف نفس تصرفات من هو على الطرف الآخر؟ لو شعر إنسان، أنه مظلوم، ضع نفسك مكانه، ماذا كنت ستفعل؟ لو شعر أي إنسان أن وجوده مهدد وكيانه وأمنه وأسرته، سواء أكان هذا الشعور حقيقياً أم وهماً، كيف سيتصرف الخائف الوجِل؟ 

بعض من مشاكلنا ومشاكل البشر عموماً، عدم القدرة على اختراق هذا الحاجز الشعوري في اللحظة ذاتها، في اللحظة التي يقوم فيها بارتكاب ما يمكن أن يسيء للطرف الآخر أو يسعده أو يريحه أو يغضبه: ماذا لو كنت أنا مكانه؟ ماذا عساه أن يكون شعوري حينها؟ إنها لحظة حاسمة وفارقة، قد لا يمكن للكثير أن يديروا هذه العملية الحسابية على بساطتها، بالسرعة المطلوبة حتى يكفّ الفرد منا عن المضي في إتمام ما بدأه، أو ربما يواصل ما كان قد بدأه، قد يتوقف الإنسان عن تحقيق السعادة للآخرين لأنه لم يتصور ما الذي يمكن أن يخلفه من شعور، ولكن الأمر لا يستوي إن تسبب لهم بالتعاسة والحزن والضيق والهوان، إذ غالباً ما نجد لأنفسنا العذر على ضعفه وتهاويه، وغالباً لا نناقشه مع أنفسنا، لماذا فعلنا ما فعلنا؟!.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية