العدد 3075
الخميس ١٦ مارس ٢٠١٧
ذرائع
العربة إذ تجرّ الحصان

“حق الجمهور في المعرفة” واحد من الأعمدة التي قامت عليها الصحافة كمهنة، وهي العبارة التي قاتل من أجلها الكثير، والتي قتل من أجلها الكثير أيضاً، وفي هذه العبارة لانت المواقف الصلبة حتى يجري تغييب الحقائق عن الجمهور، أو تمييعها، أو تضخيم الصغير التافه، أو تصغير العظيم الشامخ، وهذا الحق نفسه الذي تدرّس فيه فنون الإعلام والكتابة، ولأن الناس تشتري الصحف كونها تريد أن تعرف، صارت الصحف تتحرى الدقة أكثر وأكثر لأنها لا تريد أن تخسر ثقتهم، وكلما زادت عمليات الشراء والاشتراكات؛ استثمرها قسم التسويق في الصحف، فزادت مداخيل المؤسسة الصحافية، وأكدت دورة “المزيد من المهنية – المزيد من المبيعات والاشتراكات – المزيد من الإعلانات والأرباح”.

ولكن الأسواق والمهن دُول، فعندما طغت وسائل التواصل الاجتماعي، وصار متابعوها، في البحرين وحدها، مئات الآلاف، في مقابل الصحف الورقية التي تحاول التنفس وسط ما تراكم عليها من وسائل باتت تخنقها؛ صارت بعض الصحف “سوشلية” الهوى والنقل، ولكن في محمول ورقي لا يتناسب مع التقاليد التي قامت عليها الصحافة منذ وُجدت قبل بضعة قرون.

بداية “الانحراف” عن السراط الصحافي، كانت بالأخذ من وسائل التواصل الاجتماعي في أبواب الأخبار الخفيفة والطرائف، حتى إن بدا أن هذه الأخبار، من ظاهرها، غير صحيحة، ولا يمكن أن يصدّقها عقل، أو أنه جرى التلاعب بالصور بشكل فاضح، في الوقت الذي انتشرت فيه هذه الدعابات عبر المجموعات، وشاهدها الواحد منا مرتين وثلاث في اليوم الفائت، ثم تأتي لتراها في الصحيفة في اليوم التالي! وتفاقم الأمر لأن يكون “الصحافي المواطن” هو من يقود الإعلام عبر “صوّر وانشر”، وصارت المؤسسات تتابع هذه الحسابات التي لا يُعرف من يقف وراء البعض منها، وما إذا كان الناشر وقوراً أم موتوراً، وتحولت هذه اللقطات والآراء إلى ما يشبه “الحقائق”، وصار الناس في حيص بيص، واختلطت عليهم الألوان في تقاطعات بين من يؤكد ومن ينفي، ومن يصحح ومن يكذب، وكلٌّ جهازه في يده يكتب فيه ما يشاء، ساعة يشاء.

ونظراً للخلل الذي امتد إلى صحف نتيجة التراجع المادي، والتخلص من أصحاب الخبرات ذوي الرواتب المتعبة بالنسبة لها؛ صارت أيضاً تسدّ النقص بما يردها من أخبار يمكن تناقلها عبر الإعلام الاجتماعي حتى من دون تمريرها عبر محطات الأعراف والتقاليد الصحافية التي تستلزم عمل الاستقصاء الأساسي للخبر، ومعرفة رأي جميع الأطراف الداخلة فيه، وبذل الجهد المعقول لتقديم ما “يليق” بصاحبة الجلالة!

كانت الخشية قبل عقود من انسياق وسائل الإعلام الجديدة آنذاك، التقليدية اليوم، وراء السرعة واللهاث في عدم التحقق والتدقيق في المعلومات الواردة لها تحت ضغط المنافسة والسرعة بين المحطات، وبما أن الصحف أبطأ إيقاعاً وتصدر في وقت واحد صبيحة اليوم التالي، فهي المعوّل عليها في الإتيان بالمعلومة الموثوقة، وهذا لن يتحقق اليوم مادامت منساقة للرأي العام.

التعليقات
captcha

2016 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية