العدد 3079
الإثنين 20 مارس 2017
الجود من الموجود
الإثنين 20 مارس 2017

الموت علينا حق، ولكننا في كل مرة نفاجأ بأن شخصاً مات، مرة بحجة أنه لا يزال صغيراً، ومرة بالقول إن المرض عاجله، ومرة نقول إنه لا يشكو من شيء، والبعض يتفذلك بالكتابة عن المشاهير أن الموت “تجرّأ” عليهم! هكذا حال كل شيء حي، وإن كان اعتبارياً، كجمعية التجمع الدستوري الوطني (جود)، التي فوجئنا بأنها ربما تتجه لسحب الأسلاك الخاصة بتنفسها الاصطناعي لتعلن عن نهايتها.

جمعية “جود” لم تكن من الجمعيات السياسية ذات الثقل الجماهيري، وليست من الجمعيات السياسية ذات الدويّ العالي، وإن لم يكن في مقرّها سوى بضعة أنفار، ولكنها في الآونة الأخيرة قامت بعمل جليل، لم يتقدم إليه أحد من الجمعيات السياسية الأخرى، أي محاولة رأب صدع الجمعيات السياسية التي انفكّ ما انعقد بينها، بل انفلقت على نفسها مرة، ومراراً في خلافات، بدت لوهلة أنها شاسعة البون، وأن رأبها بائن بينونة كبرى. ومع ذلك اجتمعت الجمعيات، وأدارت حواراً فيما بينها، وضعت بعضاً من مخاوفها وهواجسها وغوامضها على طاولة الحوار، وبدا الوضع مبشّراً للوهلة الأولى. كان جيداً أن تلتقي الجمعيات السياسية حتى لا تطول “العنعنة”، فتُنقل المواقف والتوصيفات من فلان عن فلان، فكان لابد من جلسة مباشرة تتبدى فيها المواقف، وتجري مراجعة الماضي وصولاً للمستقبل، وهو أهم بكثير من “السرديّات” التي سادت، والقصص التي يودّ أن يبدأ بها كل طرف، وتفسيرات لما حدث.

مهمّ أن يجري الحديث في الماضي، كمن يعود إلى الوراء خطوات، لينطلق بقوة إلى الأمام، وربما يقفز أيضاً، ولكن الأهم ألا يزيد الرجوع عن خطوات قليلة، وألا يتوقف الوضع عند الرجوع ويعود كلّ من الفرقاء ليمسح العرق عن جبينه وهو لم يغادر موقفه وموقعه، والأهم أيضاً أن ينسى الجميع لماذا رجع هذه الخطوات أساساً. نعم، الأهم ألا ينحبس المجتمعون في الماضي، ولا ينسحبون من الحوار، الذي إن هو لم يفعل شيئاً، فتكون حسنته الوحيدة أن الجميع شرب كأساً من الشاي معاً.

قد يعصف الحال المادي المائل لجمعية “جود” بوجودها، وربما لا يمكنها الاستمرار بعد قليل من الوقت، ولا حتى تقديم كأس الشاي المعوّل عليه، ولكن على الفاعلين في الجمعيات ألا يتراجعوا عن هذه “السّنّة”، لتكون خير خاتمة لأعمال “جود”.

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية