العدد 3114
الإثنين 24 أبريل 2017
banner
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
سيد ضياء الموسوي
بين الشهادة الجامعية وشهادة الوفاة
الإثنين 24 أبريل 2017

 منذ خمسة عشر عاما، وأنا أعلق جرس التساؤل بين رقبة أسد السياسة متسائلا، لماذا القادة السياسيون في العالم الإسلامي، ومنها البحرين من قوميين وشيوعيين وبعثيين ودينيين، حظوظ أبنائهم من الاهتزازات السياسية الشهادات الجامعية في أفخم جامعات العالم من عواصم العالم، من جامعة السوربون في فرنسا إلى إكسفورد بريطانيا إلى جامعة هارفارد أمريكا، وحظوظ أولاد الفقراء شهادات الوفاة في مسالخ السياسة بحيث دائماً هم حطب المحارق، وأكفانهم الفواتير السياسية.

لماذا ضحايا الاحتجاجات من عامة الناس، ومقاعد الجامعات من أولاد الطبقة السياسية؟ لماذا أغلب إن لم يكن كل أبناء زعماء السياسة يمتلكون شهادات أكاديمية عليا، وأولاد الفلاحين والمعترين يحجز لهم قبور في أكبر المقابر؟ وبلغة الأرقام، لماذا يشح الزعماء على أبنائهم شهادات (الشهادة) التي يروجون لها ويقدسونها، ويرونها وساما ذهبيا، في حين يفيضون على الجماهير بحشد مكدس، من خطب، وشعارات تشحن الشباب السياسي، بعدم تفويت الفرصة من حجز مقعد لهم في الجنة بنيل (الشهادة)؛ كي ينعموا بحور العين، في حين يصطادون لأبنائهم زيجات من كبار العوائل المترفة المتعلمة في (بزنز عائلي) لا يخلو من برغماتية؟

هل سأل هذا الشاب نفسه، وهو يصطاد له مقعدا أخرويا، لماذا لا يزاحمه ابن من أبناء هذه الزعامات المخملية في انتهاز الفرصة الفلتة الذهبية، ليكون له مكان هو الآخر؟ ففي الوقت الذي يخرج فيه باكرا ابن الفلاح أو العامل أو الخضار في ساحة الجهاد لنيل الشهادة المسوق لها سياسيا، نجد ابن الزعيم السياسي قد خرج باكرا على أول طائرة لأوروبا للدراسة، والحصول على سلاح التعليم والشهادة الجامعية. 

ويمر الزمن، ويصبح ابن الفلاح (شهيدا)، وابن الزعيم وريثا سياسيا للزعيم، وابن الشهيد وأحفاده وقودا جديدا لمحرقة سياسية مستقبلا. 

يتكرر المسرح، ويعاد تدوير الطاحونة، ولن ينفك الإله (عشتار) يقدم الضحية تلو الضحية كما هو مسلسل يوسف الصديق. 

كم هو كبير على الله أن يحشي الزعماء السياسيون أبناءهم في بُطُون الجامعات العريقة، ويحشون أبناء الفقراء في بُطُون المقابر، وفي أقبية السجون تحت شعارات مضللة، مقطوعة من سياقها التاريخي والقرآني للتحول إلى أكفان لزهور تخطف من حديقة الحياة، لتصبح متاريس لنظريات زعامات سياسية متكلسة، تعاني نرجسيةً متضخمةً تعيش هي وأبناؤها فخامة الحياة، وأبناء الفقراء يتقذفهم القدر بين المسالخ أو على خارطة العالم غرباء منثورين على أرصفة جغرافيا الوجع.

ويمر الزمن، ومن كتب له القدر من أولاد الفقراء أن تخطف آلة الموت طرفا من أعضائه ليأتي على باب الزعيم المحرض سائلا دراهم للعلاج أو الزواج توصد بوجه الأبواب، في حين يفوز أبناء الزعيم  بتركة، وإرث مجمع من تبرعات ظهور الفقراء أو من صفقات سياسية انتخابية أو مناصب أو مناقصات تجارية. 

في قصيدة للشاعر محمد بحر العلوم العراقي الذي انتقد الزعماء حينها كان يقول:

‎ليتني أسطيع بعث الوعي في بعض الجماجم

لأريح البشر المخدوع من شر البهائم

وأصون الدين عما ينطوي تحت العمائم

من مآس تقتل الحق وتبكى: أين حقي؟

‎يا ذئابا فتكت بالناس آلاف القرون

اتركيني أنا والدين فما أنت وديني

أمن الله قد استحصلت صكاً في شؤوني

وكتاب الله في الجامع يدعو: أين حقي؟

‎أنت فسرت كتاب الله تفسير فساد

واتخذت الدين أحبولة لف واصطياد

فتلبست بثوب لم يفصل بسداد

وإذا بالثوب ينشق ويبدو: أين حقي؟

وهنا ليس شرطا الزعماء لابسي عمائم، فقد يرتدون عقالا، أو ربطات عنق، رجال دين، أو شيوعيين، أو بعثيين، أو قوميين حسب التقليعة الزمنية والعقيدة السياسية الرائجة. 

إن من حق أبناء الفقراء أن يكونوا أطباء ومهندسين ومحامين، وأن ينعموا بالحياة في حياة هانئة سعيدة، لا أن يكونوا حطب المحارق، ووقوده. فهل للفقراء للجلوس ولو ساعة تفكير، لماذا لا يوجد من (قائمة الشهداء) (شهيد) واحد من أبناء زعماء العالم الاسلامي إلا ما نذر، فَلَو ضربوا على الآلة الحاسبة بعقل سيصابون بالصدمة كم هم مخدوعون، وضحايا!!! 

يختصر الحزن هذا، مقاربة الروائية أحلام مستغانمي في روايتها (الأسود يليق بك)، وهي تحكي قصة الشاب المغرر به سياسيا في العالم الاسلامي، وهي تختصر حجم مآسينا الآن وقد تجاوز مراهقته السياسية أدرك سذاجة رفيقه الذي مات في معركة الصور دفاعا عن كرامة صورة لمشروع لص أراد ساذج آخر أن يقتلعها ليضع مكانها صورة زعيم آخر لميليشيا، فمات الاثنان، وعاش اللصان.

هل ثمة ميتة أغبى؟ ثمة حماقة أكبر، كأن تموت بالرصاص الطائش ابتهاجاً بعودة هذا أو إعادة انتخاب ذاك، من دون أن يبدي هذا ولا ذاك حزنه أو أسفه لموتك”.

سيشكرني أبناء الفقراء ذات يوم إن أنقذ مقالي هذا أرواحهم قبل فوات الأوان، حفظ الله أبناء الجميع زعامات وفقراء، والشهادة الجامعية لا شهادة الوفاة من وراء القصد. 

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية