العدد 3142
الإثنين 22 مايو 2017
آمال الزاعقين
الإثنين 22 مايو 2017

بينما كنت أتابع برنامجاً إخبارياً في إحدى المحطات الفضائية العربية، ظهر في مناظرة أحد المسؤولين الإسرائيليين في مقابل أحد المسؤولين العرب، للحديث عن المستوطنات الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى الرغم من وجود الميكرفون، إلا أن المسؤول العربي كان يؤثر الصراخ مما اضطرني إلى خفض صوت التلفزيون كلما أتى دوره، بينما التزم الإسرائيلي الهدوء، بل جللت وجهه ابتسامة أيضاً بينما كان صاحبنا يحمر وجهه غضباً لفرط إيمانه بالقضية، وأن السبيل إلى استعادة ما يضيع يبدو صعبا وواهيا أيضاً في ظل نظام عالمي كرّس نفسه لخدمة الأهداف الصهيونية مهما بلغت وقاحتها، وتخطّت اللامعقول في تجاوزاتها.

لو قسنا هذه المناظرة مع مناظرة مشهورة بين رئيس وزراء كندا جاستن ترودو ورئيسة المعارضة الكندية رونا أمبروز، حيث الحوار الراقي والهادئ والمدعّم بالأدلة والأرقام، المبتعد على التجريح الشخصي إلا في الحدود المقبولة في ثقافتهم، مع ابتسامة لم تفارق زعيمة المعارضة، فيما لم تتغضّن ملامح رئيس الوزراء، لماذا؟ 

في المقابل، لا يملك الكثير منا لجم عبارات الإعجاب وهو يرى النائب صفاء الهاشم الكويتية تسلخ بلسانها وزراء في بلادها، وتطلب استجوابهم، بصوتٍ يهزّ قاعة مجلس الأمة، ويملك الجوّ ويكهربه. الأمر نفسه – وإن على مستويات أقل – نراه لدى عدد من نوابنا منذ التجربة الأولى في 2002، وحتى الأمس القريب، إذ يعتقد البعض أن الصراخ سمة البرلمانيين، أو أنه السلم الذي يتوصّل البعض من خلاله إلى إثبات وجهة نظره، وإعلام قومه الذين صوّتوا له أنهم انتخبوا “سبعاً” ترتجّ لزئيره أركان البرلمان. وهذا هو الوضع في الكثير من النقاشات التي تجري على غرار “الاتجاه المعاكس” وما لفّ لفه من برامج أو حواريات، والسؤال نفسه أيضاً: لماذا؟

هناك دراسات تقول إن الصراخ في النقاش يُعتبر أمراً فعّالاً خصوصاً إذا افتقد أحد الطرفين الحجّة والمنطق، فيعوّض هذا برفع عقيرته، و”إرهاب” الطرف الآخر بالنبرات القوية، المصحوبة بالانفعالات والتجهّم. البعض يشعر بالانتصار إن أنهى النقاش بصوته المرتفع، ظاناً أنه قضى على الخصم، بينما الصحيح أن الطرف الآخر توقف عن رفع صوته لأسباب ربما تتعلق بفوارق المرتبة الوظيفية، أو الأسرية كالأب أو الأخ الأكبر، أو المسيطر في الأسرة، أو بسبب القوة المالية أو الجسدية إن كان من ذوي الأحذية الثقيلة، وهذا نصر خادع إذ إنه لا يعتمد على الإقناع، وإنما الإرهاب. بينما قلة قليلة – في رأيي - من يدركون هذه العلّة، ويشعرون أنهم يتضاءلون كلما رفعوا أصواتهم أثناء النقاش، وأن وجوهاً لا يريدونها أن تظهر، تتبدى كلما علت أصواتهم، وصاروا بملامح لا يعرفهم بها حتى أقرب المقربين إليهم.

اختلاف طريقة النقاش كما في الأمثلة المتقدمة، يشير إلى أنه كلما كانت هناك مخارج ممكنة، كلما كان النقاش أهدأ، إذ بغلبة أحد الطرفين ستتحقق المطالب. أما إذا كان الحديث مع قوة غاشمة، أو شخصية متصلبة، فسيشبه الحديث إلى الجدار، إذ لا تستطيع زحزحته بيديك العاريتين، فتصرخ، حينها، لفرط اليأس.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .