العدد 3170
الإثنين ١٩ يونيو ٢٠١٧
ذرائع
أهم شي...

في مكة المكرمة ذهبتُ لشراء ما يشتريه المعتمرون من هدايا، فإذا بصبيّ لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره يلاحقني ليحمل عنّي ما سأشتريه، نظرت إليه من فوق إلى تحت نظرة المشفق وقلت له: “لكنك صغير”، ردّ علي: “لا تهتم... أستطيع حمل الأغراض”، مددت إليه يدي بريالات لكي أصرفه، فقال: “لا أقبل معونات... أحمل لك وآخذ أجري”.

أسوق هذه القصّة التي أُثّرت فيّ عن طفل فقير ومحتاج ولكن إحساسه عال وثابت بمعنى “الكرامة”، الكرامة التي تجري عليها نقاشات – ولابد أن تخرج النقاشات عن نطاقها في مجتمعاتنا وصولاً للتخوين والتلوين – في شأن البرنامج التلفزيوني “تم”، حيث تضج مواقع الإعلام الاجتماعي بالحديث عنه بين مؤيد مستميت، وناقد مستبيح، وهذه من المرات القليلة التي لا يمكنني إمساك العصا من الوسط، ولا أكون “دِمِي” أو بنّي كما وصفني أحدهم، أي لستُ ذا لون واضح وصريح؛ لأقول إنني من المنتقدين لهذا البرنامج الذي يعرّض المواطن إلى جرح عميق في كرامته، وإلى جرح آخر بأن يقبل عطاء من آلة من دون أن يسأل: من أنت؟ من يموّلك؟ من أين لك هذه المعلومات عنّي؟ لماذا تعطيني؟ ما الذي تريده مني في المقابل؟ إنها أسئلة بديهية حتى من قبل من ظروفهم صعبة.

على الهامش: يتساءل أحد الأصدقاء: يقال في بداية الحلقة إنه أخذت موافقة “الضيوف” للظهور، ولكن هل هناك من رفض الظهور على التلفزيون؟ وهل تمت استعادة الأموال التي أعطيت لمن رفض الظهور؟ لا شأن لهذه المساحة الآن بهذه المسألة لأنها أمر داخلي، وإن كانت نتائجه ستضيء جوانب أخرى من الموضوع، ونعود إلى الأساس.

فعندما أجادل “السوشليين” بأن كرامة الفرد تهدر أمام الملأ، يرد المتحمسون للبرنامج: “أهم شي” أنه استفاد وفُكت أزمته، وعبارة “أهم شي” من العبارات المدمّرة للمجتمعات، فإذا سألت الطالب عن درجاته قال: “أهم شي أنجح”، إنه التبسيط الذي ينحو إلى قبول الحلول السحرية للمسائل وليس الحلول الأكثر صلابة واستدامة، وهذا أمر مخالف تماماً لما درجنا على رفضه من مبادئ ميكافيللي القائلة: “الغاية تبرر الوسيلة”، فليست الغاية بتلبية حاجات المحتاجين، وهم كُثر تعجّ بهم الصناديق الخيرية المناطقية، والجمعيات الخيرية الوطنية، ناهيكم عن الأسر المتعففة حقاً، يمكنها أن تبرر وسيلة العطاء هذه.

الأوطان لا تبنى بجيل “أهم شي” عنده النجاح بأية طريقة، وبأي مستوى، ويبقى الساعون إلى التفوق، بل التميز هم من الندرة. لا يمكن التعويل على تصرفات ومواقف تطمئن إلى الحدود الدنيا من كل أمر، فمن هو على “الحافّة” سيكون أقرب للتساقط في الهاوية أيضاً إذ لا عزم له على الترقي والإبداع وتأمين وضعه. والأعمال لا تنهض بـ “أهم شي” المحافظة على ساعات الدوام من دون السؤال عن الإبداع في الدوام. وليس “أهم شي” سد الحاجة، ولو من خلال آلة تنتقي 30 شخصاً، ولا تعلمنا العطاء، إننا بشر ولسنا آلات، ونريد إبداعاً في كيف نعطي، ولمن، ولماذا، ومتى، وأين؟ فـ “أهم شي” الصيانة تامة لكرامة الإنسان، و”أهم شي” تمكينه لكي لا ينفق “مبلغ الصدفة”، ويعود إلى نقطة البداية من جديد.

التعليقات
captcha

2016 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية