العدد 3171
الثلاثاء 20 يونيو 2017
“سيلفي” القصبي .. والبحرين
الثلاثاء 20 يونيو 2017

يرتبط شهر رمضان المبارك في عالمنا العربي بجرعة دسمة من المسلسلات والأعمال التلفزيونية التي تتنافس جلها لتقديم “الدراما المفرطة” أو “الكوميديا السخيفة” عبر محاولات مستميتة لإضحاك المتابع بغض النظر عن فكرة العمل ونصه ومضمونه.

وسط هذا السيل من المسلسلات التلفزيونية المتدفقة في وقت واحد، قلة قليلة تبقى في ذاكرة المتلقي العربي، ونادرة تلك التي تضع بصماتها على ضمير مجتمعاتنا وتخلق تغييرًا إيجابيًّا، وإن كان طفيفًا.

 واحدة من تلك الاستثناءات تجسّدت بمسلسل “سيلفي” للفنان السعودي ناصر القصبي، والذي نجح عبر أجزائه الثلاثة بتلافي ظاهرة “التمطيط” في الأحداث التي تواكب المواسم الرمضانية، وذلك عبر تخصيص قصة مختلفة لكل حلقة، ودعوة مجموعة من الكتاب للمشاركة في تأليفها.

 المسلسل الذي لم يخلُ من الإسقاطات السياسية في بعض حلقاته، ناقش في جزئه الثالث وعبر قالب كوميدي ظواهر اجتماعية عديدة، وقدم حلقتين ناريتين تقاطع خلالهما الواقع السعودي والبحريني إلى حد كبير، وحملتا اسمي “السوسة” و“زواج ليبرالي”.

 تناقش حلقة “السوسة” آفتي التطرف والعنف اللتين استوطنتا أجزاءً من القطيف وتحديدًا بلدة العوامية المعروفة بجودة إنتاجها الزراعي، وتستعرض واقع التحريض الطائفي داخلها ضد الدولة السعودية وأجهزتها الرسمية. 

الحلقة التي كُتبت بحساسية ووطنية عاليتين، فَصَلت تمامًا بين المذهب الشيعي من جهة والتعصب والعنف من جهة أخرى، وقدمت رجل الدين الذي نأى بنفسه ومجتمعه ودينه عن التجاذبات السياسية والمصالح الآنية.     

جلّ ما جذبني في حلقة “السوسة” هو عبارات الشحن الطائفي الموجهة للشباب في القطيف.. “هذا فتات اللي يعطونا إياه” و”عن الظلم اللي إحنا عايشين فيه”.. والتي أعادت لذهني كلامًا قد مرّ على مسمعي عشرات المرات على أرض الواقع.

وأوصلتني الحلقة لقناعة كاملة بأن خطاب التحريض والكراهية ضد الدولة الذي ينهش العوامية السعودية، وكذلك ضواحي العاصمة البحرينية المنامة هو ذاته، لا اختلاف فيه.

حلقة “زواج ليبرالي” هي الأخرى قدمت مقاربات لما يعانيه كثير من “النخب” الليبرالية السعودية والبحرينية من “انفصامات” وتناقضات صارخة تظهر في الاختلاف الواضح بين ما تؤمن به، وما تطبقه فعليًّا على أرض الواقع. 

 قصة “زواج ليبرالي” تروي عبر “سيلفي 3” محاولات كاتِبَين صحافيين سعوديين “ليبراليين” لتزويج ابنيهما (أحمد وسديم) بعيدًا عن الانتماءات المذهبية التي تميز العائلتين (سنة وشيعة)، وتحت شعار “كلنا ليبراليون”. 

غير أن حلم الانصهار المذهبي سرعان ما تلاشى أمام طلب لأهل العروس (السنة) الذين أصروا أن يكتب والد العريس (الشيعي) مقالاً يعبر فيه عن رأيه المعلن إزاء حزب الله اللبناني كـ”كيان متخلف وإرهابي”، رافضين ما اعتبروه “دسًّا لرأسه في الرمال” والهروب نحو انتقاد الأحزاب الدينية والسياسية في شرق العالم وغربه عبر مقالاته اليومية، وتجاهل حزب الله. 

وأمام تضخم الأنا “الليبرالية” والضغط الاجتماعي والأسري من الجهتين، تنازل الكاتبان عن مبادئ الحرية التي تشدقا بها على امتداد عقود وروجا لها طويلاًً على صفحات الجرائد، ليعلنا انتصار التعصب المذهبي على الحرية والقلم، وانهيار ليبراليتهما المزيفة.  

يلملم شهر رمضان أوراقه مغادرًا، وكلنا أمل أن يكون رمضان 2018 موعدًا آخر مع سيلفي جديد للقصبي يعكس فيه أمراض مجتمعنا ويقدم عبره دعوة مفتوحة للتغيير.  

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية