العدد 3193
الأربعاء ١٢ يوليو ٢٠١٧
فرصة البحرين اللوجستية

 تفخر مملكة البحرين بتاريخها مركزا للتجارة على المستوى الإقليمي وحتى الدولي منذ آلاف السنين. فخلال حضارة دلمون، سهلت البحرين التبادل التجاري بين بلاد ما بين النهرين ووادي السند.

وبفضل موقعها الاستراتيجي على مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، أصبحت مركزا رئيسا في نظام التجارة المتطور الذي يربط بين الشرق والغرب، أثناء طريق الحرير وبعده.

ولم تتغير هذه المكانة اليوم كثيرا، فجهود دول شبه الجزيرة العربية غير مسبوقة للاستفادة من موقعها الفريد في المنطقة.

ونتيجة لذلك فإن المزيد من التبادل التجاري، وحركة المسافرين والاستثمارات تمر الآن عبر دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من أي وقت مضى. وتتمتع المنطقة الآن بسمعة دولية كمركز تجاري، وترى القوى الآسيوية الكبرى وعلى رأسها الصين بشكل متزايد أن زيادة الروابط الاقتصادية مع الشرق الأوسط أولوية استراتيجية رئيسة، وخير مثال على ذلك مبادرة "حزام واحد، طريق واحد" التي تهدف إلى تأسيس مجتمع قائم على المصالح المشتركة بين الصين والعالم العربي.

 وفي عصر العولمة والترابط، يعتبر تيسير وتسهيل أعمال التجارة نشاطاً اقتصادياً ذا أهمية قصوى للدول. لذا نجد أن تقديم الخدمات والمنتجات تمر عبر سلسلة من النشاطات تعرف بمصطلح "سلاسل القيمة"، وفي غالبية الأحيان تمتد على مناطق جغرافية عدة، حيث تقوم شركات متعددة بتجميع المنتجات المختلفة، في عدد من البلدان المختلفة.

ونتيجة لهذا، نجد اليوم على رفوف المتاجر منتجات تأتي من دول متعددة، وهذا ما يؤكد أهمية أن يتم نقل المنتجات بسرعة وعلى نحو موثوق، وبتكلفة معقولة.

إن نجاحنا الجماعي في تأسيس اقتصاد عالمي في عصرنا الحالي من خلال العلاقات الاقتصادية المعقدة والمتشابكة هو واحد من أقوى محركات النمو الاقتصادي والتنمية في التاريخ البشري.

 تتمتع البحرين بوضع جيد للغاية للعب دور محوري في الاقتصاد العالمي المترابط. فبفضل قرون طويلة من العمل كمركز تجاري إقليمي، يعد الانفتاح جزءًا لا يتجزأ من ثقافة البلاد وأسلوب ممارسة الأعمال التجارية فيها. وباعتبارها اقتصاداً صغيراً، فإن قدرة البحرين على النمو ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على الوصول إلى الدول المحيطة بها. وغني عن القول إنه كلما تنامت هذه القدرة لدى البحرين كلما زاد ذلك من فرص ازدهار الاقتصاد فيها. وفي هذا الشأن، فموقع البحرين الجغرافي الاستراتيجي يعد عنصراً استثنائيا، سواء بالنسبة لدول العالم، أو في منطقة الخليج فهي تقع في الوسط ويسهل الوصول منها إلى جميع المدن الرئيسة في المنطقة.

 وبفضل حجمها واستثمارها في البنية التحتية، يمكن للبحرين أن تكون مركزا لوجستيا طبيعيا تتوافر فيه جميع وسائل النقل المتاحة بالقرب من بعضها البعض، بحيث توفر إمكان نقل سريع وسهل. فلدى البحرين ميناء دولي حديث (ميناء خليفة بن سلمان)، تحيط به مجموعة متنوعة من الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية الحيوية.

أما مطار البحرين الدولي، وهو الأول في المنطقة، فيقع على بعد 10 دقائق فقط من مناطق البحرين اللوجستية، ويوفر ربطاً مثالياً بين دول منطقة الشرق الأوسط، وخارجها. ويمكن نقل المنتجات إلى أي وجهة داخل دول مجلس التعاون الخليجي في غضون أقل من يومين عن طريق الشحن الجوي. ويجري حالياً توسيع وتحديث المطار باستثمار يبلغ 1.1 مليار دولار.

 كما تتمتع البحرين بسهولة الوصول البري إلى قلب الصناعة في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية. ومن المقرر توسيع هذا الربط من خلال إضافة جسر الملك حمد إلى جانب جسر الملك فهد الذي يبلغ طوله 25 كيلومتراً. ويمكن قياس أهميته كشريان بري مهم بحجم الصادرات البحرينية التي تنقل عبره والتي تبلغ ثلث صادرات البحرين غير النفطية إلى المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة.

وسيمثل الجسر الجديد رابطا لسكك حديد دول مجلس التعاون الخليجي التي ستصل البحرين بشبكة سكك حديدية واسعة النطاق في المنطقة إضافة إلى نظام السكك الحديدية الخفيفة المخطط له في البحرين.

وتعد سهولة الانتقال من البحرين للمملكة العربية السعودية استثنائية من حيث الوقت، فعلى سبيل المثال: يمكن الوصول إلى المملكة العربية السعودية في غضون 30 دقيقة براً، في حين أن 75 % من السوق السعودية يمكن الوصول إليها براً في أقل من 24 ساعة. وهذه المؤشرات، مجتمعة، تخلق من البحرين موقعاً مثالياً للتوزيع والإنتاج على المستوى الإقليمي.

 ولكن، القدرة التنافسية للبحرين في قطاع الخدمات اللوجستية تعتمد على البيئة التنظيمية المتطورة بقدر ما تعتمد على البنية التحتية. إذ يمثل التنظيم أهمية بالغة في تقليل العبء الإداري على مشغلي الخدمات اللوجستية.

وتم تصنيف مملكة البحرين منذ فترة طويلة كأحد أكثر الاقتصادات انفتاحا في المنطقة وعلى الصعيد الدولي. كما أنها تبنت التكنولوجيا الحديثة لدمج العمليات وتحسين وقت الإجراءات حيثما أمكن.

كما أن تطور الأنظمة بحسب المعايير الدولية أيضاً له بعد دولي مهم، فالبحرين تشكل جزءاً مهماً في الاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون الخليجي والسوق الموحدة والتي تبلغ قيمتها 1.7 تريليون دولار. وهي واحدة من مجموعة دول صغيرة على مستوى العالم تربطها اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأميركية. ووقعت اتفاقيات أخرى للتجارة الحرة ومعاهدات ثنائية مع أكثر من 40 بلداً، مما يعني أن البضائع يمكن نقلها دوليا بأقل تكلفة ومن دون تأخير.

 تتمتع البحرين بعنصر آخر مهم للغاية يعزز من مكانتها في قطاع الخدمات اللوجستية، فتسهيل التجارة يعتبر في حد ذاته خدمة ذات قيمة مضافة. وبينما تلعب البنية التحتية الملموسة دوراً مهماً، وللتكنولوجيا الحديثة أهمية في تبسيط العمليات الرئيسة وتسريعها، فإن توفير الخدمات الجيدة يتطلب عمالة تقوم بها. وهذه طبيعة الحال في أي قطاع يتسم باستمرارية التطور، إذ تتزايد الأهمية النسبية للقيمة المضافة في المرحلة الأخيرة قبل التوزيع على العملاء النهائيين في جميع أنحاء العالم.

وتعتبر العمالة المحلية أحد مواطن القوة التي لطالما تميزت البحرين بها، واجتذب انفتاحها مواهب دولية للمملكة. ويحق للبحرين أن تفخر بشعبها المتعلم، النشط اقتصادياً والذي يتمتع بتاريخ طويل من العمل في جميع القطاعات الاقتصادية. ولذلك يتميز قطاع الخدمات اللوجستية المتنامي في البحرين بالاعتماد على المواهب المحلية التي تتمتع بالخبرة، والمعرفة والثقافة المحلية علاوة على معارفهم في قطاعات الأعمال والمهارات اللغوية.

 وتمثل جميع هذه المميزات قيمة كبيرة عند تلبية احتياجات الشركات التي تخطط لتجهيز منتجاتها النهائية وتوزيعها في دول مجلس التعاون الخليجي وخارجها. علاوة على ذلك، تتمتع البحرين بسجل حافل في تطوير مواهبها المحلية من خلال المؤسسات التعليمية المحلية ومعاهد التدريب، مع ميزة إضافية تتمثل في الدعم المؤسسي مثل "تمكين". ويعد هذا العامل من بين العديد من العوامل التي تسمح للبحرين بتوفير تكاليف تشغيل أقل بنسبة تصل إلى 40 % عن المراكز الإقليمية الأخرى.

 تمثل الخدمات اللوجستية فرصة نمو مثالية للبحرين من خلال الاستفادة من مزاياها التنافسية، فالمملكة بمقدورها خدمة القطاعات كافة بما فيها القطاعات الديناميكية. ويبلغ حجم القطاع اللوجستي في دول مجلس التعاون الخليجي حالياً 35 مليار دولار، وهو ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي في البحرين.

وتوسعت التجارة بين دول مجلس التعاون الخليجي 7 أضعاف منذ العام 2002، من 15 مليار دولار لتصل إلى 121 مليار دولار في العام 2014.

ومن المرجح أن يحقق النمو الاقتصادي السريع، والتقدم المستمر في التكامل على مستوى المنطقة واستثمارات البنية التحتية زيادات كبيرة مستمرة في مستوى هذه الأرقام.

وكان قطاع النقل والاتصالات من أكثر القطاعات ديناميكية في البحرين، إذ بلغ معدل النمو السنوي 8 % منذ العام 2000. ويشكل القطاع حاليا 7.3 % من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة. بينما يعتبر هذا السجل حافلاً، فإن مزايا البحرين الاستثنائية لتسهيل التجارة تعني أن تكون هذه مجرد بداية لرحلة طويلة للنمو الناجح.

 المستشار الاقتصادي بمجلس التنمية الاقتصادية

التعليقات
captcha

2016 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية