العدد 3194
الخميس 13 يوليو 2017
علّم الإنسان بالقلم
الأربعاء 12 يوليو 2017

مع أن أصل الموضوع سياسي، ولكن يمكن حمله على أكثر من محمل.. وهو يتعلق (أيضاً) بالصورة التي تناقلها الظرفاء في وسائل التواصل الاجتماعي، لفريقين تفاوضيين خليجي وبريطاني، فبينما انكبّ جميع أفراد الفريق البريطاني على أوراقهم يسجلون الحديث الذي يدور بين رئيسي الوفدين، حتى يعودوا إليه فيما بعد؛ كان جميع أفراد الفريق الخليجي متفرجين على رئيسي الوفدين وهما يتحاوران، وكأن الوفد متفرج وليس مشاركاً في ما يحدث، أو كأنه ضيف شرف في هذا الاجتماع لا علاقة له بما يجري.. شبك ثلاثة منهم أيديهم على حجورهم، وأسند اثنان رأسيهما بإحدى يديهما.

ولأنّ الصورة بالصورة تذْكر، فقد سبق لصحافي مخضرم أن قال إن وكالة أنباء غربية نشرت في الستينات من القرن الماضي صورتين، واحدة لجيش عربي (حتى لا تثور الحساسية المفرطة)، يقوم أفراده بـ “التدرّب” على كيفية لبس البنطلون، وصورة أخرى لأفراد جيش العدو الإسرائيلي وهم متحلّقون حول قطعة سلاح جديدة وكل منهم ممسك بدفتر ملاحظات ويدوّن فيه تعليمات التعامل مع السلاح الجديد.. لا عجب في ما آلت إليه الأوضاع العسكرية تالياً.

هذا المشهد أراه كثيراً في المؤتمرات والدورات التدريبية والورش، حيث يسند الكثير من الأجانب الكومبيوتر المحمول على أفخاذهم، ولا يكادون يرفعون رؤوسهم حتى لا يفوتهم تسجيل أي شيء يجري، كل ما يقال ويطرح هو جزء من خبرة، ووجود الشخص في المؤتمرات وغيرها فرصة لا يمكن تفويتها والاعتماد على ما يعلق في الذاكرة من الأقوال والطروحات، فلابد من التسجيل.

نزلت بالعرب نازلة إذ تركوا، قديماً، العلم، والتأليف، والكتابة، مع أنْه ورد في الأثر “قيّدوا العلم بالكتابة”، أي لا تتركوه عرضة للذاكرة التي قد تخون صاحبها، وقد تضعف وتهن. انتقل القلم من مشرق العرب إلى مغرب الأوروبيين، فانتقل معه العلم بالتبعية.

وإنك لتجد في الكنائس والأديرة القديمة مدوّنات تعود إلى مئات السنين تسجل المواليد والوفيات وأهم الأحداث اليومية، وتراكم المعارف والتجارب البشرية، حتى لنعلم اليوم عن أعلام في الدول الغربية متى وُلدوا في القرون الماضية، بينما كثير من مواليد خمسينات القرن الماضي في البحرين كتب في جوازات سفرهم أنهم من مواليد الأول من يناير، دليل على عدم اليقين من تاريخ الميلاد. ولم يُعرف في مجتمعاتنا التدوين إلا لدى من نعتبرهم اليوم من الرواد النابهين، بينما كان النظر إليهم في زمانهم على أنهم من المجانين أو المعقّدين في أحسن الأحوال.

ليس في هذا أي نوع من التندّر أو ما يسمّى بالكوميديا السوداء، ولا أي تحقير أو تقليل من شأننا إزاء الآخرين، لأننا لابد أن نطرق المواضيع مرات ومرات، إذ ان هناك طريقا واضحة المعالم لمن أراد أن يسلكها من أجل التقدم، وهناك طرائق قدداً لمن أراد أن يحيد ويبتعد عن الجادّة.

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية