العدد 3224
السبت 12 أغسطس 2017
الإلحاد بعد داعش (1)
السبت 12 أغسطس 2017

“سندافع عن كل شعوب المنطقة، لأننا نعتبرهم جزءا من إيران، وسنقف بوجه التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية”... التصريح قبل عامين لعلي يونسي مستشار الرئيس الإيراني، يجمع فيه كل خصوم الجمهورية الإسلامية في سلة واحدة، ويعطي حرب بلاده ضد الجميع طابعا مقدساً. الأمر ليس جديداً، بل يمثل امتداداً لمنهجية تصدير الثورة وتمدد آيديولوجيا الدولة الدينية بصيغتها الإيرانية. لكن المفارقة تكمن في الجمع بين التكفير والإلحاد، ولا يمكن فهم هذا التناقض إلا إذا أدركنا أنها منهجية تكفيرية تزعم مواجهة التكفير، والأدق أنها التكفير الشيعي الذي يواجه التكفير السني، وفي الوقت نفسه يواجه المغايرين الدينيين، بذات الدرجة التي تتمرس خلفها الوهابية بترسانتها المتخمة بالحقد على المختلفين، وسواها من العقائد المطلقة التي تزعم أنها وكيلة السماء في محاربة البشر.

إن الترويج الإعلامي لمقولة إن داعش، ومن قبلها القاعدة، التكفيريون الوحيدون، جزء من وهم ساعدت عليه الطبيعة غير البراغماتية لهذه التنظيمات، إذ ساعدت هذه الطبيعة على تستر العديد من التكفيريين الآخرين بلباس الاعتدال عبر استخدام المقارنة مع التنظيمات الجهادية الأكثر شراسة وشرا، فرسمت هذه التنظيمات صورة واحدة للتكفير، أخفت العديد من الصور الأخرى، بل تم التعامل مع تكفيريات أخرى وكأنها اعتدال إسلامي!

الجمهورية الإسلامية أحد المستفيدين الكبار من هذه القضية، وهذا ليس اتهاما لإيران بأنها تقف خلف داعش، كما يحلو لأصحاب نظرية المؤامرة قول ذلك، بل هو الغباء العقائدي الذي ساعد التكفيريات الأقل عنفاً على التخفي خلف التكفير الأكثر شراسة، وإذا ما أردنا أن نفهم العقيدة الدينسياسية لمبادئ الثورة الإيرانية، فعلينا أن ندرك طبيعة النظر إلى تغيير الدين في بنية الفقه الذي يشكل مرجعية هذه المبادئ. فمجرد أن تحرم عقيدة ما تغيير الدين، وتبيح دمه، فإنها ستكون تكفيرية، ومن نافلة القول إن هذا التحريم موجود وغير مخفي في عموم الكتب الفقهية للمذاهب الإسلامية كافة، ومن المهم جدا التعامل مع حلفاء إيران في العراق بهذه الزاوية، ليس فقط لأنهم إسلاميون، بل لأنهم جزء من منظومة عبر عنها صاحب التصريح أعلاه، الذي تضمن بوضوح توسيع دائرة العدو الذي يجب أن تخاض ضده حرب مقدسة، سواء فسرت بأنها حرب دفاعية أم حرب لنشر الإسلام! والقيادي في حزب الدعوة علي الأديب الذي يخوض حرب تصريحات وتنديد ضد “الإلحاد” والعلمانية والمدنيين، ليس سوى صورة من صور المعركة الكبيرة لمشروع يسعى لتقديم نفسه بأنه الحامي والحقيقة وما سواه خصوم يجب مواجهتهم عبر مهمة مقدسة.

هذا ليس صك براءة لخصوم النظام الإيراني بالتأكيد، لأن عماد عقيدة هؤلاء الخصوم الطائفيين، يعتمد أيضا على إرث من التكفير لا يزال ولودا بفتاوى إرهابية وكراهيات منفلتة، ولا يمكن لأي عاقل أن ينفي ما صنعته من دمار وانقسام. لكن من الخطيئة أيضا إعطاء صك براءة لعقيدة الثورة الدينية التي يسهل معرفة ما تسببت به من كوارث. “إيلاف”.

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية