العدد 3250
الخميس 07 سبتمبر 2017
الغزو من الداخل
الخميس 07 سبتمبر 2017

هل صحيح ما جاء في جملة من جمل الكوميديا السوداء التي نتفنن في اختلاقها أن لو سأل حاكمٌ عربيٌّ مواطنيه: ما الذي تحلمون به؟ فسيقولون بلسان واحدٍ مبين: الهجرة؟ هل معنى هذا أن الحِيَل تضيق على المواطن العربي الذي إن تمتع ببعض الحرية تناوشه الفقر، وإن تخلص من الفقر بعض الشيء افتقد حقوقه المدنية، وإن لم يكن يعاني من هذا ولا من ذاك ترصّدته الحرية المنسدّة شرايينها بكوليسترول العيون الحمراء، وهذا أخفّ الأضرار، فما بالنا بما وراء هذه العيون من قمع وعسف إن صدّقنا نصف ما يقال عنه فإن النصف الباقي يصعب على ذوي الفطرة السليمة تصديقه... الأسوأ من هذا أن تعتور المواطن العربي بنات آوى الفقر والجهل والقمع والإهانة والطبقيات الصارخة والحرية، في تشكيلة تجعل الكفر بالانتماء هو أول ما يمكن أن يفكر فيه المواطن المغلوب على كل ما فيه.

متابعة للأفواج الراكبة أشلاء الفُلك لتبحر وسط الموت، متخبطة بجثث من سبقوها، وتعبّ من دماء من قضوا في واحد من أكثر البحار رأفة وحنان بين بحار العالم وهو البحر المتوسط؛ تفضي إلى النتيجة ذاتها، إلى أن الأمة تعيش واقعاً خَرباً، ومطالبون أبناؤها أن يطفحوا كل ساعات اليوم، تهليلاً وتمجيداً للطواقم الحاكمة، وصولاً إلى أدنى المسؤولين، إذ صار التأليه صفة لازمة لهذا المواطن، يشكر كل من فوقه على ما أنعم عليه من نعمة الامن والأمان، ونعمة الهواء، وطلوع الشمس يومياً، ويمارس هذا المواطن التناقض أقصى صنوف الانفصام الفكري، إذ ينتقد في بلاده جميع أوضاعها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ينتقد في محيطه التلوث، والبطالة، والجريمة، الفقر، والجهل، والأمية، والضوضاء والازدحامات، وانهيار الأنظمة الصحية والمهنية والأخلاقية، وكل شكل من أشكال النظام إلا الأنظمة الحاكمة العصيّة على التصدّع أو الانهيار... ولكنه لا يقول مباشرة من المسؤول عن كل هذه الانهيارات، ولا يشير بإصبعه إلى الرؤوس، لأن السعيد من اتّعظ بغيره من الذين لم تعد لهم أصابع يشيرون بها، هذا إن لم تطوِهم القبور وتحتويهم.

مررت بكثير من العواصم العربية والمدن، وما لم أمرّ به رأيته صوراً... يا إلهي، كم نتشابه وكم نحمل الآمال والآلام نفسها، كما علّمونا في المدارس... كم نحمل التشوّهات المدينية نفسها، والفوضى ذاتها، و”الشطارة” عينها في الاستحواذ على ما ليس من حقنا... كم نتشابه في الإهمال، وكم يبدو ساذجين وحالمين هؤلاء الذي يحاولون عبثاً إقامة الجدار الخرساني المصبوب من الثقة والمبادئ والنبل والشمم والنخوة وهو يتداعى يريد أن يرتاح على الأرض بعد المئات من السنين التي وقفها شامخاً.

كم تبدو تافهة تلك العبارات التي تقول بأن أوطاننا “محسودة” ومهددة من الخارج، فلا حاجة لأن تتكالب عليها الأمم، ما دام التكالب ينهشها من داخلها، والسباق على أشدّه لنهب الأوطان وإفقارها وكأنهم دخلوا المغارات الخيالية، فيريدون أن يعبّوا منها ما استطاعوا قبل فوات الأوان، ومغادرتها بأسرع وقت، فلا يمكن للحرامي أن يسكن مكان جريمته.

هامش:

عنوان قصيدة للشاعر اليمني الراحل عبدالله البردوني

التعليقات
captcha
التعليقات
سنة 2030 طوفان يؤدي الى ذوبان
منذ شهرين
قرار ملزم صادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة و مجلس الأمن ( كل من عاش أو أقام أو عمل لمدة تزيد على 15 عاما في بلد ما له حق طلب الجنسية إذا رغب ).هل نستبعد صدور مثل هذا القرار سنة 2030 ما دام مؤتمر بوتان(شرق اسيا) اغسطس 2017 يناقش فيه برلمانيو الدول الأسيوية بحضور نواب من دول المنطقة و الخليج اعطاء الحقوق السياسية للعمالة الوافدة ؟ أردت أن أقول بأن شبابنا يحلم بالهجرة للغرب أساسا وما تبقى من شعب سيغمره القرار الأممي المشار إليه...ضاعت البلاد في طرفة عين..اللهم عفوك و رحمتك.

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية