العدد 3251
الجمعة 08 سبتمبر 2017
من الاستغباء باسم التقاليد إلى الديمقراطية
الجمعة 08 سبتمبر 2017

تعودنا على أن لا يكتفي المتحامل على ماضي أجداده بلعن السلفِ وشتمه في كل مناسبة، على اعتبار أنه يرى في السلفِ بأنه كان على باطلٍ في جميع ما قام به، متجنباً كالعادة تقدير الظروف الذاتية والموضوعية للغائبين، والأسباب والدوافع والحاجات الوجودية التي جعلتهم على ماهم عليه، بل ومن باب تهرب الشخص المعاصر عن أداء ما يتوجب عليه القيام به راهناً، يُحمل الغابرين حتى تبعات تململه وتقاعسه هو وأتباعه الحاليين، وذلك حتى يخفف عن ذاته عبئاً كان قد تهرب عن حمله في غابر الزمان أمثاله المتقاعسين.

حيث يُشبع الساسة والمثقفون ونشطاء الحاضِر قادة الكرد التاريخيين طعناً كلما بُحث موضوع غياب الدولة الكردية ومسألة تقهقر الكرد قومياً، فيرون بأن الراحلون لم يكونوا ليس فقط على مستوى وعيهم وتفكيرهم الحالي، إنما الأهم أنهم كانوا دون مستوى إدراك وفطنة معاصريهم آنذاك، وأنهم بالغوا في سذاجتهم الإيمانية فيما يتعلق بالغيبيات في زمن تمسك الآخرين بشروش العصبيات المعاشة، حيث أن ذلك السلوك الخدمي بنظرهم أشبه بالغباء الكردي المستساغ لدى الآخرين عبر التاريخ، وخاصة جيرانهم المسلمون، الذين لم يتنازل أحدهم قط عن خصوصيته القومية أو القبلية أو العشائرية، باستثناء الكردي، الذي انطلت عليه القصة الدينية سابقاً، والفكرة الاشتراكية لاحقاً، والديمقراطية راهناً!

كما أن الملامات ولعنات الذات تجددت منذ أيامٍ أيضاُ، أي في فترة احتفالات تركيا نهاية الشهر المنصرم رسمياً وشعبياً بمناسبة معركة (ملاذكرد) 1071 التي انتصر فيها السلاجقة الأتراك على البيزنطيين، حيث عاد المثقف الكردي إلى جلد الذات على الخدمات التاريخية والتضحيات التي قدمها الأجداد لشعوب المنطقة والتي سرعان ما قام المخدومون من قبل الكرد بإنكار كل تلك التضحيات، ومنها فقد ذكر الكاتب بدرخان علي أن الترك أنكروا الدور البطولي للكرد في معركة “مَلاذكُرد” التاريخية، وأردف الكاتب بأن الحكومة التركية ومعها الأوساط الاكاديمية والثقافية التركية، لم تذكر أنه لولا مشاركة 10 آلاف فارس كردي، شكلوا أضعاف عدد المقاتلين السلاجقة، في جيوش السلطان السلجوقي ألب أرسلان، في معركة ملاذكرد لما تمكن السلاجقة من النصر، ولما ظهرت الامبراطورية العثمانية لاحقاً ولا تركيا المعاصرة بعدها!

ولكن بدلاً من الغوص في حروب الماضي والخدمات المجانية التي قدمها الفرسان الكرد للجيران على الدوام، أليس حريٌ بكرد الراهن الوقوف على الخدمات العسكرية لأنصار ومسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي منذ أعوام في سوريا وحتى الآن، فكيف نحاسب شخصاً أخطأ بحساباته السياسية منذ قرون، بينما ابن الحاضر يرتكب الحماقات المدمرة عياناً جهارا ولا يتم محاكمته على جريرته؟ فها هو حزب الاتحاد الديمقراطي مَن لديه الاستعداد للافتداء بمئات الكرد مجاناً في معارك الجيران، كمعركة الرقة راهناً، وقبلها معارك منبج التي قضى فيها على خيرة الشباب والشابات، ولاحقاً معركة دير الزور، بل وبكامل التبجح التنظيراتي يقول السيد نواف خليل الإيكولوجي المقرب من حزب الاتحاد الديمقراطي، إن الهدف الرئيس بالنسبة لهم هو هزيمة داعش، داعياً إلى الأخذ في الاعتبار التحضيرات الحالية لمعركة دير الزور الكبرى والاستراتيجية حسب زعمه والتي ستحدد مع معركة الرقة مستقبل سوريا برمتها، فيبدو أن السيد نواف وحزبه سيحاربون داعش نيابةً عن طاغية دمشق إلى أن يأتي دورهم ويستفرد بهم النظام كما جاء في القصة التراثية التي تتحدث عن حيلة الأسد (أسد الغابة) في أكله للبقرات الثلاث*، علماً أن السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد سبق له أن حذر الاتحاد الديمقراطي من مغبة تخبطه السياسي وتحالفاته اللاموفقة، كما أن فورد نفسه عاود القول في حديث له مع “ذا نشيونال” الأميركية نهاية الشهر الماضي، بأنه “بعد طرد داعش من الرقة ودير الزور، هناك احتمالية كبيرة بأن تبدأ الميليشيات الإيرانية وقوات الأسد هجوما ضد الأكراد ولن يحترموا وقتها وقف إطلاق النار”، كما أن أمير قبيلة “البقارة”، نواف البشير كان قد هدَد هو الآخر في وقتٍ سابق من الشهر الماضي، بتنفيذ عملية عسكرية كبرى في الشمال السوري ضد الأكرد، بقوله: “بعيدًا عن لغة الدبلوماسية أقول للعصابات الكردية قريبًا سنعيد أمجاد 2004 وبطولات الفرقة الرابعة، وسنسحل رموزكم ونسلح العشائر، بل أكثر من ذلك”، وذلك في إشارة منه إلى تسليح نظام الأسد آنذاك للعشائر العربية ضد انتفاضة قامشلو في 2004 وقمعها بكل وحشية من قبل أرجاس النظام وأتباعه.

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية