العدد 3254
الإثنين 11 سبتمبر 2017
مختصر غير مفيد
الإثنين 11 سبتمبر 2017

عندما كنتُ ممدداً على سرير العيادة عصراً أتلقى جلسة علاج طبيعي عن ألمٍ في الظهر ألمّ بي، لم أكن أعرف أنها مقدمة للديسك، فكنت على مسافة مما كان يجري حولي إذ ذاك، فلقد كنت أسمع همسات لا أميّزها ووجوه ممتقعة للممرضات الفلبينيات، وحركة سريعة، خرجت لأدفع ثمن الجلسة فلم أر هذا التلهف على وجوه الذين ينتظرون دورهم لكي يقفزوا مكان هذا الذي خرج للتو من غرفة المعالجة، فلقد كانت أعينهم مسمّرة على جهاز التلفزيون، وأعناقهم مشرئبّة إليه. نظرت إلى حيث ينظرون فإذا بأحد برجي التجارة في نيويورك ترتفع منه أعمدة الدخان. فقدّرت أنه حريق في برج كبير، فلم يكن يعنيني اسمه، فقد كنت واحداً من بضعة مليارات من البشر الذين لا يعرفون المبنى ولا يهتمون باسمه، ولكنني ما إن ذهبت إلى العمل، إلا وكانت الفوضى منتشرة، طاقة شديدة التوتر في كل مكان، ترك الجميع عمله وأخذ يتابع الأحداث، فلقد كانت الطائرة قد ضربت البرج الثاني... صاح أحدهم بنغمة لم يجتهد في إخفائها: “انهار البرج...”، فسرت همهمة من الارتياح والفرح، ولولا احترام مكان العمل لعلت التكبيرات والتهليلات، وما هي إلا فترة وجيزة حتى علا صوت الموظف نفسه: “سقط البرج الثاني”، كانت نبرته هذه المرة أكثر صراحة ووضوحاً بالفرح الطاغي أن أحداً مرّغ أنف الولايات المتحدة، وهاجمها في عقر دارها، فلقد كانت الانتفاضة الثانية في القدس قد هدأت للتو مخلفة قصصاً كاستشهاد محمد الدرّة.

أختصر ما حدث تالياً: خرج علينا مصطلح “الإرهاب” بلبوسه الجديد، وتفسيره المعولم، دُكّت أفغانستان ذات البنية الهشّة بحثاً عن أسامة بن لادن، واكتشفت آلة الحرب وآلهته أن البوصلة أشارت إلى المكان الخطأ، فاتجهت الفوّهات صوب العراق، وأشعلت في أيام قليلة حريقاً لا يزال مندلعاً، تبادل المسلمون في الدول الغربية ومواطنو تلك الدول وحكوماتها الكثير من جولات الكرّ والفر، والتضييق، والعمليات الإرهابية التي طالت الناس، وعمليات تفجير متسلسلة لا تنتهي، وشهدت المطارات أسوأ قصص الانتهاكات الإنسانية.

في مثل هذا اليوم (الحادي عشر من سبتمبر) بدأت ملامح ترنّح بعض الأنظمة العربية حتى تداعى بعضها تحت ضربات “الربيع العربي”.. وانتهى الوضع إلى فوضى “دوامة المغطس”، حيث نرى أننا نلفّ في دوامة تأخذنا إلى الأسفل، ولا حول لنا، وكُتب علينا أن نشهد التفتت العظيم الثاني للأمة العربية بعد ما احتلّ العراق الكويت وبدأت سلسلة كبرى من كشف العورات علناً، وأكبر عربدة إمبريالية غير مسبوقة تبصق على العالم ومنظماته لتفعل ما يحلو لها، هي الفترة نفسها أيضاً التي جرى فيها التبرؤ من كل أفعال المقاومة الحقيقية خشية أن يوصم الداعم بالإرهابي فيناله العسف، فترةٌ انشغل فيها العالم بالكلّيّة في المزيد من “ثقافة الصورة” الخاطفة التي وطّنت للتافهين مكاناً عليّا، منذ الإعلام الاجتماعي وتسيّد الرعب نفوس العامة لئلا يروا أنفسهم متداولين على شاشات البشر، منذ أن ضيّعنا سدادة المغطس، منذ أن عجزت الأمة عن صلب ظهرها لإصابتها بـ “الديسك” العظيم.

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية