العدد 3257
الخميس 14 سبتمبر 2017
جرّب أن تكون يابانياً
الخميس 14 سبتمبر 2017

لطالما انتابني، وكثرة من الناس، العجب والغضب في آن معاً، عندما أرى سيارة في شارع ضيق، واقفة لتسدّ الجزء الأكبر من الطريق، تاركة الحارة الأخرى من الشارع يتقاسمها السائقون من الناحيتين، ويقسّموا المرور فيما بينهم، ولكن لا أحد يكتب رقم السيارة ليقدمه إلى إدارة المرور، لأن الموضوع فيه شكوى، وربما مواجهة، ولا يكسب المشتكي شيئاً سوى التعب وإضاعة الوقت، والعتب المرير في عيني الطرف الآخر بأن الشكوى ضده من توافه الأمور. قد يترك أحدهم سيارته في وضعية كهذه وينزل لبعض الوقت، أو كل الوقت، أو ربما يكون داخلها شبه مستلق على المقعد ويقلب تطبيقات الهاتف بكسل، في حال أقرب إلى الخدر منه إلى الصحو ليعي ما حوله، وما يحدثه من انسداد في شرايين الشارع من غير أن يرف له جفنه المسدل.

ولطالما أعجب العالم، لسنا نحن وحسب، بالشعب الياباني، لانضباطه وتفانيه في خدمة المؤسسة التي يعمل فيها، والوطن الذي يعيش فيه، بل تعدّى الأمر هذه العلاقات المباشرة إلى العلاقات غير المباشرة والبعيدة، إذ ترصد الكاميرات الجماهير اليابانية وهي تنظف المدرجات من بعد المباريات، لأن الفرد في هذه الثقافة يهتم بالآخرين ليلقى الاهتمام نفسه منهم، يحرص أن يكون المكان من بعده نظيفاً لأنه يرغب أن يأتي إليه نظيفاً من دون انتظار عامل النظافة الذي علينا أن نوسّخ وعليه أن ينظف في حركة دائرية لا منتهية. ويشير فيديو وصلني مؤخراً إلى أن اليابانيين ينكبّون على القراءة أو الهاتف في القطارات ولا يصدرون الضوضاء حتى لا يزعجوا غيرهم، يتركون دراجاتهم الهوائية من دون أٌقفال ويعودون إليها كما هي.

ليس الحديث عن الأمان ولكن عن الاهتمام بالآخرين الذي يمثل اهتماما بجانب من ذاتك، هذا الالتفات المفتقد إلى الآخرين تحول إلى أنانية مفرطة حَدّ العدوانية على الجميع من أجل أن ينعم الفرد بالبوهيمية، بأن يرمي المهملات وقت ما يشاء، وفي أي مكان يشاء، ويتنمر في وجه من ينبهه إلى سوء فعلته، يطلق الجوارح والكواسر وقبائل الهمجيين الذين يسكنون داخله حينما يرى القوانين تتراخى عن زجره وإلزامه حدوده، بل حينما يرى غيره يفوز بما يريد لأنه يكشّر عن أنياب، أو يفتل لسواه العضلات، أو يضرب القوانين عرض الحائط وطوله، فيقفز من آخر الصف إلى أوّله، ويتخطى النظام ولا يجري توبيخه، وينشغل أصحاب الحق بالتغافل عن هذا الفعل لـ “يقصروا الشر”، فتكثر هذه النماذج وتتسيّد في ظل الصمت وإشاحة منفذي القانون عنهم. الاهتمام بالآخرين ينعكس حتى في تعاطفهم مع القضايا الإنسانية إذ يتصرف الكثير الناس معها بأن ما لا يخصّني لا علاقة لي به.

إذا صحّ أننا تراجعنا كثيراً عن إرث جميل يشكل أعرافاً و”إتيكيت” جانب مهم منه لابد أن يسير معنا لأنه ينم عن الذوق والأدب والتعامل الحسن والاهتمام؛ فليست وزارة التربية والتعليم وحدها التي يتعلق بها هذا الأمر، إنه حراك عام مجتمعي، على قدر كبير من الطاقة، وبصلابة لا تقبل التنازل واللين، وعلى مدى سنوات طوال، لعلّنا نقوم بالخطوات الأولى في الإحساس بما حولنا... يتبع.

التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية