العدد 3345
الإثنين 11 ديسمبر 2017
الجذوة حتى لا تنطفئ
الإثنين 11 ديسمبر 2017

عمّا قريب ستبرد فورة الغضب التي انتابت السواد الأعظم من الشارع العربي والإسلامي جرّاء قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة للعدو الإسرائيلي، وإعطاء الضوء الأخضر لنقل سفارة بلاده إليها، وهو الأمر الذي كان مجمّداً 22 عاماً من قبل.

عمّا قريب سينشغل الناس بالقضايا التي لا يراد لها أن تفتر من الصحراء الغربية إلى ضفتي الخليج الشرقية والغربية، فهذا دأب المسائل في وطننا العريض، لا تخرج من أية حفرة وقعت بها، بل تعمل على تعميقها على مرّ السنين، بين الأكبر (فلسطين) تبقى واحدة من هذه الحفر، وإن كبرتْ، وتتعمق كما تتعمق الحفر الأخرى، فلا الشعوب ولا الأنظمة لديها القدرة على أن ترفع رأسها، وأن تقرر أن تظهر على السطح، فهناك استسلام بخس لما يراد لها من انشغال لا نهاية له، بينما تضيع الحقوق، وتنغلق الآفاق، وإمكانية الوصول إلى حل عادل وشامل لـ “القضية” اليوم أصعب مما كان في الأمس، وسيكون اليوم أسهل منه في الغد، وهكذا تتعقد المسائل كلّما مرّ عليها الوقت، لأننا نطالب أن يتوقف الآخرون، ومن دون أن نتحرك في هذا السباق، فلا هم سيستمعون، ولا نحن متحركون، والنتيجة لا تحتاج إلى نمذجة رياضية حتى يمكن توقع ما الذي ستؤول إليه في العقود المقبلة.

ما يحدث مع كل وقفة مساندة لفلسطين، نذهب للبحث في خزائن ملابسنا عن آخر مرة وضعنا الكوفية فيها، ونستدرج الأناشيد الحماسية من اليوتيوب، ونستذكر التسجيلات للمواقف البطولية، والأشعار الحماسية، ونبذل القليل والمخجل ربما إزاء ما يجري في الأراضي المحتلة، إلا أن أكثر ما يدعو إلى الانزعاج في الوضع الراهن: استكثار البعض على الناس غضبهم، السخرية من ممارستهم أقل القليل من حق التعبير عن عدم الرضا عن القرار الأميركي الأخير، والتذكير بأن عقوداً مضت من المظاهرات والزعيق لم ترجع الحقّ إلى أهله، الأعظم من هذا والأمرّ، أن يأتي إلينا من يودّون أن يثيروا حول أنفسهم الجدل ليقولوا إن “إسرائيل” حقيقة واقعة، وعلينا التعامل معها، وأن نكفّ عن التوجّع، ولولا قليلاً من بقيّة حياء، لطالبوا بالدعس على كل الجثث والدماء والدمار والتاريخ والنهب والسلب والآلام والإذلال والحقوق والإنسانية، وغيرها من الثوابت التي لا تتنازل عنها حتى الحيوانات إلا بعد قتال ضار من أجلها؛ ويذهبون إلى تثبيط الهمم، ونشر الخوَر في الأجواء.

صحيحٌ أن العويل والصياح لم يُعد حقاً، ولم يحي ميتاً، ولكن لابد من إبقاء الجذوة مشتعلة، لأن القضية قائمة، والفلسطينيون في أرض الشتات، والأرض مستلبة، والمقدسات محاصرة، والسنون تتوالى، والأجيال الجديدة تبتعد وتتلهى في قصص أخرى غير تلك التي كانت تملك سماواتنا، وتتجه إليها أنظارنا.
ليس من بأس أن يصيح العرب من الألم، ويعبّروا عن ذلك، ويبتكروا، ويسندوا المرابطين، ويشعلوا وسائل التواصل الاجتماعي، ويرسلوا البيانات، ويقاطعوا المنتجات، ويقوموا بكل ما من شأنه أن يطوّق المعتدين ومن يساندهم، ويسند الأمم المتعاطفة ويقوّي مواقفها، ويجعل فلسطين حيّة نابضة في الضمير العالمي.

يراهن الصهاينة على الوقت الكفيل بتثبيط همم الفلسطينيين والعرب والمسلمين والعالم أجمع، وتأخُّر القضية إلى الوراء، والشعور باللافائدة، واللاجدوى.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية