العدد 3401
الإثنين 05 فبراير 2018
“أقلّوا اللوم والعتابا”
الإثنين 05 فبراير 2018

أظنّ أن أحداً من المتّصلين بالإعلام الاجتماعي فوّت في الأسبوع الماضي رؤية وزير التنمية الدوليّة البريطاني اللورد مايكل بيتس، وهو يعلن استقالته الفورية من منصبه لأنه تأخر عن جلسة مجلس العموم البريطاني لبضع دقائق، وكان المجلس قد بدأ عمله، كما تبدأ ساعة بيغ بن عملها، وبحسب جدول الأعمال من دون تقديم أو تأخير، وبمن حضر، وطرح سؤال، ولم يكن الوزير في مقعده، فلما لم يجد السؤال من يردّ عليه، شعر الوزير، حال وصوله، بالعار (بحسب تعبيره)، لأنه يعتقد أن على ممثلي الحكومة الارتقاء بالعمل البرلماني في الرد على أسئلة المشرّعين، فلم يحتمل ضميره هذا “الإخفاق” والتناقض بين ما آمن به، وما فعله للتوّ من تأخّر ولو لبضع دقائق، ليعلن أنه ليس كفوءاً بالمنصب.

وكعاداتنا الأصيلة، وتقاليدها المرعيّة، قمنا من فورنا بالمقارنات الواسعة بين ما يحدث “عندهم” وما يحدث “عندنا”، أقصد بشكل عام في الدول النامية، حيث لا يتزحزح المسؤول عن منصبه وإن حدثت فيه الكوارث، وذلك لأنه يريد البقاء والاستمرار ليعدّل ما سبق وإن تدمّر أثناء تولّيه المهمة، وأن تقع مصيبة بعد الكارثة، وأزمة بعد المصيبة، وإخفاق بعد الأزمة، وهو مستمر، والشماعات متعددة الأسماء جاهزة، منها ما هو متعلق بالداخل، ومنها ما يرتبط بالخارج، ومنها ما هو خاص بالموازنات، ومنها ما يمكن أن يصفّ له ما شاء من أكباش الفداء لبقائه على كرسيّه، فقليلاً، بل نادراً ما اعترف مسؤول عالمثالثي، أو عربي، بأنه المخطئ، وأنه من يتحمّل المسؤولية في حال وقوع خرق ما في مسؤوليته.

ففي مثل هذه الأيام قبل 16 عاماً، أي في العام 2002، وقع حريق في مركز التجميع النفطي في الروضتين بدولة الكويت، فقدّم وزير النفط آنذاك عادل الصّبيح، استقالته، وهنا دار جدل واسع بين من يقولون إنّ الحريق، مهما كانت أسبابه فهو قضاء وقدر، فهل كان الوزير سيوقف القدر؟ ومن كان يؤمن بأن الوزارة تعني تحمّل المسؤولية، وتحمّل المسؤولية يعني أن يجتهد المسؤول، في أيّة وظيفة كانت، صغرت أم كبرت، أن يؤدّيها على خير ما يرام، وأن يكون قادراً على إدارتها من دون إخفاق، ومتى ما أخفق، فمن الخير: للوظيفة، وله، وللوطن، أن يتركها من فوره.

أتذكّر عادل الصبيح، لأن النماذج الأخرى، وعلى مستويات محلية وإقليمية وعربية، تكاد تكون أندر من الكبريت الأحمر، ويكفي أن تبحث في غوغل تحت عنوان “استقالة وزير” لترى أين الكمّ الأكبر منها... أتذكرها ونرى إخفاقات لوزراء في الصحّة حيث تنتشر الأمراض المعدية، والعمليات الجراحية الفاشلة، والإخفاقات في الأنظمة الصحية، باقون. ونرى الفشل الذريع في المدارس والأنظمة التعليمية المتهاوية، والواجهات الأراجوزية لإخفاء الجهل الناخر في كيان الأجيال، وباقون. ونرى الإعلام المتشرذم الذي لا يزال على ما هو عليه منذ الستينات والسبعينات وكأنّ شيئا لم يتغير، ونتلقى الغزو راضخين، وباقون، وباقون رغم التأتأة في المواقف الخارجية، ورغم الإعسارات المالية، ورغم البنى التحتية المتهالكة، ورغم الفوضى في الشوارع، وتصنيف الكثير من الدول بأنها فاشلة، وباقون لشعور الكثير من المسؤولين أنهم آلهة، أو من نسل الآلهة... والبقاء لله.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية