العدد 3446
الخميس 22 مارس 2018
في انتظار اللكم الرحيم
الخميس 22 مارس 2018

في حلبات الملاكمة، تقصر ذاكرتي عن انتهاء منازلة بالتعادل ما بين الخصمين، فالمنازلة إما أن تنتهي بالنقاط، أو بالضربة القاضية، وهي المباراة الأكثر متعة وندّية وإثارة، وفي الحياة السياسية، الضربات القاضية من الصعب أن تسدد في قضية على حساب قضية أخرى، ولكن حساب النقاط يعمل باستمرار وبلا هوادة لمن أراد استثمار المسائل لصالحه، وهذا الاستثمار يعتمد الذكاء والانتهازية السياسية التي لا تترك شاردة أو واردة إلا استثمرتها من أجل تقوية موقفها في القضايا الرئيسية التي تعمل لها.

وإذا كان ليس من الذكاء أن يطنطن صاحب القضية بقضيته طيلة الوقت وعلى الوتر نفسه، ولو كانت قضيته عادلة، ذلك أن التعامل مع البشر ليس كالتعامل مع الحجر، فكثرة الدقّ على الحجر يمكن أن تفلقه أو تترك فيه أثراً، ولكن كثرة “الدّق” على رؤوس البشر في عالم مليء بالمتغيرات والمتناقضات والمستجدات، يجعل النسق الواحد لعرض القضية يبدو مع الزمن قديماً، ومستهلكاً وغير مؤثر حتى في المتلقين.

وفي قضيتنا المحورية (فلسطين)، من المؤسف أن ترى الأجيال الجديدة من الشبيبة جاهلين، في الغالب، بتفاصيلها، ومن يعرف شيئاً عن القضية الفلسطينية ربما أخذه من وسائل الإعلام الغربية، بينما الأجيال القديمة أصاب طائفة منها نوع من اليأس والقنوط لكثرة ما ترددت القضية نفسها، بالطرح نفسه، وبالحجج ذاتها، والأساليب التي لا تتغير، والخطاب الذي يمكن لأيّ منا أن يستظهره غيباً، أو على الأقل يتوقع ما سينطوي عليه.

في المقابل، الصهاينة يسجلون نقاطاً أسرع وأكثر تأثيراً من خلال السيطرة على الإعلام بشتى أنواعه في الشركات الكبرى عالمياً، من جهة، فينوّعون طريقة طرح القضية نفسها من وجهة نظرهم، وبشكل ناعم لا يُرى ولا يُستطعم ولا يُشم، إلا لمن له قرون استشعار عالية الحساسية، وحاضرة دوماً، مع عزيمة للرفض وتعرية الألاعيب التي يعملونها، فعمل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة إبان حكم الرئيس كلينتون على إدارة حملة لشنّ الحرب من أجل التطهير العرقي الذي جرى لمسلمي البوسنة والهرسك، حتى يقولوا للعالم إنهم ليسوا ضد المسلمين، ولكن قضية البوسنة هي نفسها هولوكوست اليهود في العصر النازي.

ومجدداً، أعلن متحف الهولوكوست في واشنطن أنه سحب من الزعيمة البورمية أونغ سان سو تشي جائزة منحها إياها في 2012 تكريماً لنضالها ضد الديكتاتورية، وذلك لعدم تحريكها ساكنا في أزمة مسلمي الروهينغا، بعد اتهام الأمم المتحدة السلطات البورمية بممارسة التطهير العرقي، وهذا ما جعل المتحف المتخصص في تقديس “المذبحة” التي تدرّ ذهباً على الكيان المحتل، يتحرك لا من أجل المسلمين، ولا يعنيه كثيراً ما يحدث على بعد مئات الأميال من الولايات المتحدة، ولكنه تدثر بالتطهير العرقي ليعيد شيئاً من الألق لقضيته وإن زعم الدفاع عن قضايا الآخرين، خصوصاً المسلمين الذين يدّعون ما يدّعون بالنسبة للحركة الصهيونية وموقفها منهم.

الخشية من توالي تسجيل النقاط في المنازلة المستمرة، ما يجعل المتأخر في حال من اليأس فيلقي بيديه جانباً، تاركاً لخصمه إنهاء المباراة بتسديد ضربة قاضية تنهي مهرجان الآلام، وهذا ما ترى تباشيره اليوم عبر التسابق لإنهاء القضية وإقفال الملفات المتخمة، استسلاماً وليس انتصاراً.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية