العدد 3467
الخميس 12 أبريل 2018
علاجات الغفلة
الخميس 12 أبريل 2018

بعد كتابة مقال عن جماعة النشر الإلكتروني الأمر الذي تُرك إلى أن تفاقم واستفحل ولم يجر التعامل معه في مهده، يمكننا النظر بشكل أوسع إلى ما وراء ذلك من الكثير من الظواهر التي تنتشر في مجتمعنا، وما انتشارها إلا دليل غفلة أو تفاغل أو استغفال أو... مصلحة، وجميع الاحتمالات أسوأ من بعضها.

لأضرب مثلاً معروفاً على المستوى العربي وهو “العشوائيات” في الكثير من الدول العربية، حيث ينتصب فجأة بعض المسؤولين وكأنهم اكتشفوا اكتشافاً عظيما، ليقولوا: إن العشوائيات تفرّخ الإرهاب، وإنها تسيء للبلد، والكثير من الطنطنات، وعلى الرغم من منطقية النتيجة أحيانا التي يتم التوصل إليها، وعلى الرغم من أن البعض يهرب من الحقائق ويتهرب من التبعات فيجد في “العشوائيات” مشجباً لتعليق كل الفشل عليه، وغسل اليدين؛ إلا أن السؤال الأساسي هو: كيف نمت هذه العشوائيات، وكبرت، وترسخت، وتموضعت وصارت أمراً قائماً لا يمكن تغييره والمساس به، لأن الكثير من الأسر صارت متجذرة فيها.

هذا المثل يمكن تطبيقه على ما لا يعد ولا يحصى من السلوكيات والخروقات في كل مكان التي بدأت بغفلة أو تغافل أو تساهل، وانتهت إلى وضع لا يمكن الرجوع عنه، ولا يمكن تفكيكه ليجري علاجه.

فالأوضاع المتردية التي وصلت إليها شوارعنا في قيادة السيارات ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه لولا هذا التراخي الذي جعل البعض يستغرب الأنباء عن القبض على بعض الفوضويين في الأيام الأخيرة، متسائلين ما إذا سيكون نهجاً في الإدارة أم صحوة مؤقتة؟! الأرصفة التي تحولت إلى مواقف للسيارات، كيف ومتى؟ البيوت التي أصبحت متاجر، المناطق التجارية التي استشرت حتى ضاق الناس بما رحبوا، كثافة العمالة الوافدة بداعٍ ومن دون داع، الدراجات النارية لتوصيل الطلبات التي صارت تسدّ شرايين الشوارع، الدروس الخصوصية التي صار لا مفر منها، ولو عددت الظواهر المنحرفة عن أصولها سوف يطول بنا المقام.

فإذا ما أخذنا بأبسط الأسباب والتمسنا العذر بالغفلة لأنها لا تحمل معنى قصدياً سيئاً؛ فإن الغفلة تجوز على الأشخاص الاعتياديين، ولكنها لا تجوز على الأجهزة والدوائر، لا تجوز على المؤسسات التي توظف جيوشاً من المتخصصين والمخططين والمستشارين، فالتخطيط أول ما يكون وأهم ما يذهب إليه هو الإنسان وجودة حياته، وبالفوضى التي تترك الأمور تجري على أعنتها يصعب إيقاف التدهور، وبدء العلاج لأنه مكلف جداً، ويصل اليأس إلى أن يُترك كل شيء لما وصل إليه مهما كان يدمي القلب ويؤذي المشاعر والعيون، فقديما قالوا: علاج العيون عدم مسّها!.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية