العدد 3473
الأربعاء 18 أبريل 2018
تضحيات الأب
الأربعاء 18 أبريل 2018

قرأت يوم أمس - بتأثر بالغ - خبرا تداولته الصحف ووكالات الأنباء عن رجل إنجليزي ستيني خسر 76 كيلوغراما من وزنه؛ كي يتمكن من التبرع بإحدى كليته لإنقاذ حياة ابنه البالغ من العمر 32 عاما، والذي يعاني تلفا بالكلية؛ بسبب العلاج الكيماوي الذي خضع له لمعالجة نوع نادر من مرض السرطان.

الخبر، الذي ذيل بصورة للأب وهو يركض بثياب الرياضة بأحد المتنزهات الإنجليزية، وعلى وجهه ابتسامة عريضة، يذكرنا بضخامة المسؤولية التي يتحملها الوالدان تجاه أبنائهما، وفي المواقف المتعسرة، التي لا يقف فيها أحد بجانبهم، سواهما.

هذه المواقف وغيرها الكثير من التي لم يشهدها الأبناء، وهم لا يزالون أطفالا صغارا، تصور بشكل درامي، كيف يستنزف الأب، والأم، جنبا إلى جنب، جل شبابهما، وسعادتهما، ويومياتهما؛ لإسعاد أبنائهما، ولإدخال البهجة في قلوبهم.

وكان أحدهم قد ذكر لي قبل أيام بمضض مؤسف عن هجرة أبنائه له، وانشغالهم بشؤون الحياة وتلاطماتها، وكيف أنهم يهجرونه بالأسابيع الطويلة، من دون أن يسألوا عنه سؤالا واحدا، بسهولة موجعة، سرعت من انتشار الشيب برأسه، ودفعته للتساؤل مرارا وتكرارا عن أخطائه بالتربية، وهو الذي كان يغدق عليهم بالحب والحنان والرعاية.

وقال بحسرة “وضعت سلة خشبية عند مدخل المجلس، وطلبت منهم، أثناء زياراتهم المحدودة أصلاً أن يتركوا هواتفهم النقالة بها، بدقائق ثمينة الوزن لدي، أتمنى أن يبادلوني خلالها الحديث، وأن يطلعوني على أخبارهم، وأخبار أبنائهم، وصورهم، وهو أمر لا يحدث، إلا بسرعة فائقة، وملل منهم، بغالب الأحيان”.

هذه الحكاية التي تتكرر اليوم هنا وهناك، وسط غفلة، وكسل، وأنانية بعض الأبناء، الذين يولون وصل رب العمل، وصديق السفر، ورفيق السهرات، أولوية قصوى، خلافًا للأب، وللأم أحيانا، اللذين لطالما ندم على عقوقهما كثيرون، ولكن في الوقت الضائع والمبتور.

واقع الأمر، أن الأسد يزأر، لكنه لا يلتهم صغاره، كذلك هو الأب في التربية، السند الأول، والصاحب في الحياة، وفسحة الأمل فيها.

وأستذكر ختاما، مقولة الطبيب النفسي الشهير سيجموند فرويد: “لا شيء في الطفولة مهم بقدر الحاجة للشعور بحماية الأب”.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية