العدد 3474
الخميس 19 أبريل 2018
افتح يا Data أبوابك نحن الأطفال!
الخميس 19 أبريل 2018

أعترف أنني أتطفل على موضوع بالغ الدقة والتعقيد، ولكنني أطرقه من بقعة ضحلة في المعرفة بتفاصيله العلمية، إذ لا يزال الكثير من العرب يحنّون إلى أيام برنامج “افتح يا سمسم”، بقصصه وشخصياته وأغانيه ومواقفه ونعمانه وملسونه وغيرهم، على اعتبار أن هذا البرنامج استطاع تعليم أطفال جيل الثمانينات الأبجدية العربية، والحساب، وطوّر ذائقتهم نحو اللغة، ولا يزال جمع من ذلك الجيل يطالبون بإعادة إنتاج أجزاء منه حتى تبقى صلة الأطفال بشيء يشدّهم إليه.

في الإعلام، كما في الكثير من شؤون الدنيا، أو ربما جميعها، ينطبق القول: “ما يذهب لا يعود”، وهذا البرنامج الذي أخذت فكرته من البرنامج الأميركي “شارع السمسم” Sesame Street الذي أنتج أول مرة في العام 1966، ولما بلغ عامه الرابع والثلاثين (يونيو 2000) تم إيقافه؛ لا يمكنه العودة اليوم إلى الأطفال وإلا مني بخسائر مرّة لأن الزمن قد تجاوزه، وصارت للأطفال ذائقة أخرى تتجاوزه، ولم يعد طفل اليوم هو ذاك الطفل الذي يتعلم العدّ، والذي يقاد من حواسه ليتعلم الفرق بين صوت الطبلة والبوق، فحتى أطفال اليوم سيعتبرون هذه الأفكار تقليلاً من قدراتهم الذهنية، فهم اليوم يعالجون الكثير من المسائل عن طريق الاتصال بالإنترنت، ويبدأون، أوّل ما يبدأون مرحلة التعرف على الأشياء في حياتهم، بتصفّح شاشات الكريستال المذاب، ويتنقلون بين المواقع المختلفة، ومن السذاجة اليوم القول بمسألة الرقابة على الأبناء ووضع جهاز الكومبيوتر في الصالة، ووضع برامج “حماية” للأطفال لئلا يدخلوا المواقع غير المتناسبة مع أعمارهم، وفي الحقيقة لا يحتاج الطفل لأن يدخل، فهذه المواقع تخفى وهي تستشري، وتدخل من الفُرَج الضيّقة جداً متسللة إلى أجهزة الهواتف التي صارت اليوم حقّاً وضرورة ولابد للأطفال الحصول عليها، فمن ذا الذي يمكنه الوقوف في وجه هذا الطوفان متعالي الأمواج لمحاولة منعه من اكتساح كل شيء؟!

تتكاثر اليوم الأصوات والأبحاث التي تقول بخطورة الكمبيوتر، وما لفّ لفّه، وسار على دربه، على أدمغة الأطفال ونفسياتهم، ولكن من يعبأ في الواقع؟ فالتيار أقوى من هذه الأصوات الصادقة المحذرة، والمدارس تتفاخر بأنها تنتقل إلى الجانب التقني من التعليم، والمستقبل لن يرحم طفلاً لا يجيد (وليس يعرف فقط) التعامل مع المعلومات عبر الأجهزة المخصصة لذلك، بدءاً من الكمبيوتر المكتبي، وانتهاء بالتطبيقات الهاتفية، فالمسألة ليست مزاحاً، وليست هوايات، ولكنها باتت من الضرورات التي ستكون فارقاً في حياة أطفال اليوم عندما يتعلمون الدخول بعلم ووعي وتحدٍّ في مجال تقنية المعلومات وصولاً إلى المعلومات، ومنها إلى ما يطلق عليه اليوم “البيانات الضخمة” Big Data، والتعرف على مجالاتها وطريقة تحليلها، والوصول إليها والاستفادة منها، وهذا لا ينبني من تلقائه، بل من خلال تنشئة عالية التقدم في المجال التكنولوجي للوصول إلى الاستفادة الحقيقية من المتاح أمامنا وبين أيدينا من معلومات غاية في الأهمية، ولكنها تحتاج دائماً إلى التفكيك والتوظيف، وهذا تحدّي المجتمع في سيرته المقبلة.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية