العدد 3495
الخميس 10 مايو 2018
الخروج من الثنائيات الحدِّية
الخميس 10 مايو 2018

إذا ما أراد أحدهم أن يقنعني بواحد من الخيارين فإنه في الغالب يوقعني بين الرّمضاء والنار، فأختار الرّمضاء على الأقل، يوقعني بين حلّين أحلاهما مرّ، لأختار مجبراً الأقل مرارة فقط، وهكذا في الكثير من الأحوال التي نعيشها، خصوصاً من الناحية السياسية، من مثل ما تنتهي إليه النقاشات بين وضعين: هل الوضع في ليبيا القذافي أفضل أم ليبيا النزاعات اليوم؟ هل العراق اليوم أفضل أم في عهد البعث وصدام حسين؟ أنت لا تريد بشار الأسد إذا تريد داعش؟

تستعمل هذه الثنائيات من قبل المتناقشين وأصحاب الحِجاج وتنتعش ويروج سوقها، في سياقات تذهب إما إلى قبول الوضع الراهن، أو رفضه والرجوع إلى الوضع السابق الذي – من وجهة نظر ما – يبدو أفضل من هذا الوضع، وإن لم يكن مثالياً تماماً، ولكن يجري تقديم الحَدَّين على أنهما كل ما في الدنيا من خيارات، حتى ليجادل أحدهم ذات مرّة قائلاً بثنائية الليل والنهار، وكذلك الأمر بين الحق والباطل، فوقف من قال له: إن ما بين الليل والنهار أوقات لو علمت ما أسمتها العربّ وفصّلت فيها، لغيّرت وجهة نظرك تماماً.

وهذا ما ينطبق تماماً على هذه الحدية، لماذا لا تكون هناك خيارات أكثر اتساعاً ورحابة من أن تكون حياتنا محشورة في التخيير البغيض بين المقصلة والمفرمة، أو بين العدوّ والبحر، فكما يبدو أننا نتيجة الثقافة نفسها التي أنتجت ما قاله أبوفراس الحمداني: “نحن أناسٌ لا توسّط عندنا – لنا الصدّر دون العالمين أو القبر”، أو أننا لا نزال نعيش في تلك الحقبة، ولكن بملابس جديدة، فما بين الصدر والقبر بون شاسع، ومساحات يمكن للفرد العيش فيها، والعمل على تعضيدها وتحسينها مستقبلاً، ويمكننا ترك مساحات لأبنائنا أفضل من ظلمة القبور ووحشتها، ولو تحلّينا ببعض الواقعية لوعينا إلى أنّ الخيارات المتوسطة، وحتى المعقولة منها، تحتاج إلى الكثير من الصبر.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية