العدد 3499
الإثنين 14 مايو 2018
ما مللنا ولا هرمنا
الإثنين 14 مايو 2018

سبعون عاماً ننتظر، سبعون عاماً نربط على القلب الحجرْ، سبعوننا ليست كسبعينهم، ما أبعد المسافة بين الشانق وضحاياه، ما أبرد الدماء التي تسري في عروقه وأظافره تقطر دماً وهو يمدّ اللقمة لأطفاله، وأطفالنا ينتحبون، أرتال المهجرين في البال، ومفاتيح عودتهم تشق الذاكرة الطرية، حجارة الطرقات تناديهم، والكروم تشتاقهم، وعروق الزيتون تخضل من أسمائهم، وتنشب المذابح في الأوردة، رصاصاً نطلق، هتافاً نطلق، ونزعق، ونتمنطق، نرصّ المظاهرات تلو أختها، نسهر ليلنا نصوغ الهتافات، نرسم طرائق ذهاب المسيرات وعودتها، ولكنها لا تدري أين الطريق إليكِ يا جماع الترانيم، ترنّ القطع المعدنية في قاع صناديق القدس، بينما تمتلئ الصناديق بالقصص الجديدة والمستحدثة حتى تفيض، للدماء التي لا تريد أن تتوقف ينابيعها عن الضخ، بينما لا أحد بإمكانه التنبؤ عن مكان انفتاق الدم التالي، وتتشابه الدماء كلها، ويحتضنها دمٌ لا يشبهه دم، ولا يدانيه دم، ولا يزاحمه دم، دمٌ طاهر لذاته مطهِّر لغيره، تتشابك فيه حكايا وأساطير وتيه وخراب وحروب وجراح وديار جاس فيها من جاس وتعالقت القيامة في منتهاه، وتحت نعله افترق الحق عن شيطانه، ألا نصيخ السمع لسنابك خيل الأولين وهم يندفعون إلى فم الموت يريدونها؟ ألا نلتفت إلى الخراطيش التي تتساقط وتتناقص والكل يعضّ على ما يستطيع من أهواء من يحب؟ ويخرج من بينهم عبدالله الإرهابي لنقول له: “وتشهدُ أنك قاتلتَ الغاراتِ، وقاتلتَ البحرَ، وقاتلتَ الدباباتِ، وقاتلتَ خيانات الدباباتِ الأخرى، وصمدت صمود الأنواء”، إذ ذاك، يتدحرج من بين أصابعهم برتقالي القاني، تتناسل أسماء مَن سقطوا ومَن ارتفعوا، مَن استشهدوا ومَن هلكوا، مَن تبددوا كدخان، ومَن ربتت عليهم السماوات، ومن رمت معاطفها الجبال وخبأتهم، مَن سكتوا خوفاً، ومَن ألّبوا على أمتهم خوفاً وطمعاً، ويأتوننا تالياً ليغسلوا أيديهم بصابون نابلس الذي علّم البشرية الطهر... تراجع ذكرها في إعلامنا، تراجعت صورها في أطالسنا، واسمها في أناشيدنا، واختفت من طوابير مدارسنا، ومن أمسيات شعرائنا، ومن نشرات أخبارنا، لعلنا ننسى... ولا ننسى. شوّهوا الأرض والزعامات والأفراد كي ننصرف، ولا ننصرف، دخلوا علينا من سبعين باباً للصلح والاستقرار والاستثمار والسياحة والأرباح، ونسوا أبواب القلب التي لا تغلق بمفاتيحهم المعوجّة، ولا أساليبهم الفجّة... الفاجعة أن تضطر لأن تنفض جلدكَ منك.. فهناك من يقاسمك تاريخك وهواءك وتفاجأ به... سبعون من السنين... وترتجّ نياط القلب في كل ساعة وفي كل حين... سبعون ودائماً: فلسطين.

التعليقات
captcha
التعليقات
تسلم
منذ 3 أشهر
لا فُض فوك. ودام قلمك تلقه يا ابوغازي.

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية