العدد 3523
الخميس 07 يونيو 2018
وفي عينيه رأيت أسوأ ما يمكن أن يُرى
الخميس 07 يونيو 2018

ما إن ركبت سيارتي حتى شعرت بمن يراقبني ويدنو نحوي، تجاهلت الأمر لأوّل وهلة، ولكنه اقترب، تبيّن أنهما اثنان من الجنسية الباكستانية (على الأرجح) يقصدانني، أنزلت الزجاج فإذا بأحدهما يقول إنهما مستعدان للقيام بأي عمل، وعددا الأعمال التي يمكنهما القيام بها في المنزل، من العناية بالزراعة حتى تمديد الكهرباء، فلما شكرتهما بأنني لا أحتاج إلى عمال في البيت، اقترب أحدهما إلى درجة قلصت المسافة ما بيننا إلى حدّ مقلق، وهو يقول: صدقة؟!

كانت عين الباحث عن عمل تقول ما لم يستطع قوله، إنه يائس وبائس ويحتاج لأي مصدر دخل يخفف معاناته، ليس هو وحده، بل عشرات الآلاف من أمثاله، الذين يعرفون بـ “الفري فيزا”، وهم الذين تقدّر هيئة تنظيم سوق العمل عددهم بحوالي 60 ألفاً من أصل 520 ألف عامل في البلاد، أي بنسبة 11.5 %.

ليست أمرا جديدا تسمية هؤلاء الأشخاص بـ “القنابل الموقوتة”، فهم يبحثون عن رزقهم بشكل عشوائي، بعضهم تمر عليه الأيام والأيام ولا يجد ما يعمله، وعددهم كبير جداً لا يخفى على أحد، يكفي أن تمرّ في أماكن معروفة لتجدهم يتقرفصون على الأرصفة وفي الزوايا ينتظرون إشارة من أحدهم يريد عمالة رخيصة، وفي هذا ضرب لأصحاب المحلات المنتظمين والرسميين، وهذا ما يرغبه الكثير من الناس، حيث يفضلون الرخص على الأمان والنظام والانتظام، ولكن السؤال المقلق هنا: ماذا لو لم يحصل العامل السائب السارح في أرض الله، هل سيصبر؟ هل سيصبر من تركهم وراءه في بلاده ليرسل لهم ما يعيشون به؟ هل سيصبر من أقرضه ليأتي إلى هنا؟ هل سيصبر عليه من يتاجر به خارج القانون هنا ويرتجي منه دخلاً لقاء تأمين إحضاره إلى البحرين وإطلاقه في سباق السوق ليلتقط بيديه وأسنانه ما يمكنه التقاطه ليعيش ويسدد؟ ألا يكون هؤلاء العمال الأكثر عرضة من غيرهم للانحراف واللجوء إلى كل ما هو خارج القانون مادام القانون لا يغطيهم!

من حسن حظ البحرين، أنها بلد محدود الجغرافيا، ولا حجة لمن يتذرّع بأنه لم ير، ولا يعرف أين يجد السارحين في الأسواق، ولا يمكن تصديق أن تكون هناك خطط للتنمية ناجحة في سوق عمل تسوده الفوضى، ولا يمكن الحديث عن ترشيد إنفاق وضبطه، والبنى التحتية للبلاد تئن تحت وطأة التزايد المنفلت من البشر بما لا تستحمله هذه البنى لا قديمها ولا جديدها، فكل إنجاز قابل لأن تبتلعه الفوضى والتسيب والانفلات المسيء، ويبقى الملف الحقوقي فاغراً فاه لهذا الاتجار بالبشر، والتستر على المخالفين الحقيقيين الذين أتوا بهؤلاء لينثروهم كيفما اتفق، بينما تقوم السلطات المختصة بملاحقة أذيال المشكلة وحلها بقوننة أوضاع الـ “الفري فيزا”، فبدلاً من تجفيف المنبع بإنهاء هذا الملف الشائن من أساسه؛ تنصبّ جهودٌ لملاحقة مجاري المشكلة ومساراتها، بينما الحل واضح ولا يحتاج إلا لإرادة وإدارة حازمتين، حتى لا نصحوا ذات يوم على كارثة سببها القانطون الجائلون بيننا.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية