العدد 3524
الجمعة 08 يونيو 2018
برحيل سمو الشيخ عبدالله بن خالد... البحرين تفقد أحد أكبر رجالاتها
الجمعة 08 يونيو 2018

فقدت مملكة البحرين يوم الثلاثاء الماضي أحد أكبر رجالاتها الذين عرفهم تاريخ البحرين المعاصر سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة (رحمه الله). ويعد رحيله خسارة كبرى لنا جميعاً نحن أبناء مملكة البحرين، فهو ابن البحرين البار الذي أفنى سنوات عمره في خدمة الوطن.

ويرتبط تاريخ البحرين من جميع النواحي الإدارية والتنظيمية المتعلقة بتأسيس الإدارات وبعض وزارات ومؤسسات الدولة، وكذلك بتوثيق تاريخ البحرين قديمة وحديثه، وتطوير الحركة الثقافية، وتأسيس المكتبات بشخصه (رحمه الله؟، باعتباره أحد أكبر أعلام الثقافة والمتبحرين في التاريخ والأدب وعلوم الفقه واللغة.

وظف (رحمه الله) جل وقته لخدمة وطنه ومجتمعه وقيادتنا الرشيدة. وسعى دائماً لعمل الخير فذاع صيته بين جميع أفراد المجتمع البحريني في المدن والقرى، وأصبح الرجل الوحيد الذي لا يختلف في حبه واحترامه وتقديره كبار القوم وصغارهم، وغنيهم وفقيرهم. وكان مجلسه مقصد العلماء والوجهاء والمسئولين والمثقفين، وكذلك مقصد الفقراء والمحتاجين، لا يفرق في تعامله بين غني وفقير، بل إنني وجدته من خلال العمل معه وزياراتي لمجلسه يعطي اهتماماً خاصاً للفقراء والمحتاجين أكثر من غيرهم، وتلك قيم العربي الأصيل، الأمر الذي جعله قبلتهم التي يلوذون بها لمساعدتهم وحل مشاكلهم.

بدأ مسيرة حياته العملية ملتحقاً بالقضاء فعين في العام 1951 قاضياً بمحاكم البحرين واستمر في مزاولة عمله قاضياً حتى نهاية العام 1956، حيث تم في العام 1957 تعيينه قاضياً بمحكمة الاستئناف العليا حتى العام 1962.

وفي العام 1962 عين رئيساً لبلدية الرفاع، حيث عمل على تطوير الخدمات البلدية والتي منها الاعتناء بالبيئة وتجميل المناطق وشق الطرق وتسهيل المعاملات والخدمات كافة، واستمر في رئاسة بلدية الرفاع حتى العام 1967، عين بعد ذلك رئيساً لبلدية المنامة التي استمر في رئاستها حتى العام 1970 بذل خلالها جهودا كبيرة في تطوير مدينة المنامة العاصمة وتنمية مرافقها. وفي العام 1969 تم إنشاء مجلس التخطيط والتنسيق واختير رئيساً لهذا المجلس حتى العام 1975، فاهتم بالتوسع العمراني والتخطيط الطبيعي والمحافظة على الآثار.

وعند إعلان البحرين دولة مستقلة وتشكيل مجلس الوزراء العام 1971 عين الشيخ عبدالله وزيراً للبلديات والزراعة في الفترة من العام 1971 إلى العام 1975. تقلد مناصب عدة في الدولة منها وزير العدل والشؤون الإسلامية، ونائب رئيس مجلس الوزراء، وهو الآن رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ورئيس مجلس أمناء مركز عيسى الثقافي.

لم يكن تميزه مقتصراً على الجانب الإداري كأحد المؤسسين والمساهمين البارزين في بناء دولة البحرين الحديثة، فقد كان دوره في المجال الثقافي مميزاً أيضاً، فهو صاحب المشاريع الثقافية الرائدة، وهي المشاريع التي تجسدت في 3 محاور أدت إلى تطوير الحركة الثقافية وتفعيل النشاط الثقافي في البحرين.

فقد تأسست على يديه المكتبة الخليفية في العام 1954 بمدينة المحرق لتكون مكتبة عامة تخدم جميع أهالي مدينة المحرق والمناطق المحيطة بها.

وأنيطت مسؤولية المكتبة بسموه وأصبح رئيساً لها منذ تأسيسها إلى أن تم نقله في العام 1962 للعمل رئيساً لبلدية الرفاع.

في العام 1978 تأسس مركز الوثائق التاريخية التابع لمكتب ولي العهد، وأنيطت مسؤوليته بسمو الشيخ عبدالله بن خالد، وبذل جهوداً مضنية من أجل تأسيس مكتبة بمركز الوثائق التاريخية. ونشطت مكتبة المركز في جمع كثير من الوثائق والمخطوطات والخرائط القديمة الخاصة بالبحرين بصورة خاصة ومنطقة الخليج العربي بصورة عامة. كما تم تزويد المكتبة بكتب وموسوعات في مجال التاريخ، إضافة إلى وجود بعض الكتب الثقافية الأخرى.

كان دوره في تأسيس مركز عيسى الثقافي بارزاً. فقد بدأ مشروع مركز عيسى الثقافي برسالة رفعت إلى مقام أمير البلاد الراحل صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في العام 1998 من بعض أبناء الشعب البحريني يطلبون الأذن لهم بإنشاء مكتبة تحمل اسم الأمير. وقد حول الرسالة إلى سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة وطلب منه النظر في طلبهم. وتحمل سموه مسؤولية الإشراف الكامل على بناء مركز عيسى الثقافي الذي ضم المكتبة الوطنية التي تحتوي حتى هذا اليوم على زهاء 100 ألف كتاب تغطي جميع حقول المعرفة، وهي بهذا تقدم خدماتها الثقافية لجميع شرائح المجتمع البحريني.

استمر المغفور له بإذن الله الشيخ عبدالله بن خالد بالمساهمة في تفعيل العمل الثقافي في المملكة وتطويره من خلال إصداره بعض المجلات والدوريات الموثقة والمحكمة. ففي فبراير من العام 1978 تمكن من إصدار العدد الأول من مجلة (الهداية) وهي مجلة شهرية إسلامية وترأس تحريرها أثناء توليه منصب وزير العدل والشؤون الإسلامية.

كما تمكن سموه في شهر يوليو من العام 1982 من إصدار العدد الأول من مجلة “الوثيقة” التي يصدرها مركز الوثائق التاريخية والتي تعد من بين أهم المجلات التاريخية التي تصدر في الوطن العربي في وقتنا الراهن، وهي مجلة نصف سنوية محكمة، وقد ترأس تحريرها.

ساهم سموه بتأليف كتب تاريخية موثقة سدت فراغاً في المكتبة المحلية. وتصدى سموه لإكمال هذا الفراغ بإصداره مجموعة كتب تاريخية أصبحت اليوم من بين أهم المصادر التي يعتمد عليها في كتابة تاريخ البحرين قديمه وحديثه.

ففي العام 1970 تمكن من تأليف كتاب “البحرين عبر التاريخ : الجزء الأول” تناول فيه تاريخ البحرين القديم اعتباراً من حضارة دلمون، مروراً بالعصر الإسلامي. وفي العام 1991 تمكن من إصدار الجزء الثاني من كتاب “البحرين عبر التاريخ” وكان كتاباً في غاية الأهمية؛ لأنه سلط الضوء على قرامطة البحرين وعلى العيونيين، الزنكيين والسلفريين، الجبور والعصفوريين، والبرتغاليين، والعتوب متناولاً شخصية الشيخ أحمد الفاتح، والشيخ سلمان بن أحمد الفاتح.

شهد العام 1996 إصدار كتابه “رؤى إسلامية : من وحي القرآن”، حيث وضع سموه في الكتاب رؤى تفتح الباب للخروج من المأزق الحضاري لمعادلة الأصالة والمعاصرة في بعض جوانبها الفكرية والعقائدية، ليستوحي رؤى إسلامية راسخة منبعها القرآن الكريم.

كان العام 2005 عاما مميزا بالنسبة إلى نتاج سموه الفكري فقد شهد ذلك العام إصدار 3 كتب تكمل بعضها بعضاَ. فقد صدر الجزء الأول بعنوان “مكانة البحرين في التاريخ الإسلامي”. وصدر الجزء الثاني تحت عنوان “تاريخ آل خليفة في البحرين”. وصدر الجزء الثالث ليكمل هذه الموسوعة التاريخية الموثقة بعنوان “ملك وسيرة”، حيث يتحدث عن شخصية جلالة الملك واهتماماته الثقافية والرياضية والفكرية، مغطياً مشروعه الإصلاحي الذي بدأ بميثاق العمل الوطني. كما غطى الكتاب مرافعات البحرين وقطر أمام محكمة العدل الدولية. وانتهى الكتاب بالحديث عن السلطات الثلاث: السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية.

هكذا كان المغفور له بإذن الله تعالى سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة إنسانا مستنيرا في فكره وثقافته، كثير العطاء، متواضعا، حكيما، يتصف بالأخلاق السامية والقيم العالية، محباً للخير وهي صفات قل أن تجتمع في شخص غيره.

لقد رحل عن الدنيا الفانية إلى عالم الخلود، تاركا في النفس لوعة وحسرة على فراق رجل ترك بصماته في كل بقعة و زاوية من زوايا مملكة البحرين العزيزة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية