العدد 3533
الأحد 17 يونيو 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
قانون “مُتْ قاعد يا متقاعـد”
الأحد 17 يونيو 2018

لا أدعي الحقيقة المطلقة، ولكن باجتهادي في معرفة خريطة مشروع قانون التقاعد الجديد، وجدت - مهما أُلبس بإكسسوارات التبرير، وأُجري عليه من عمليات شد تجاعيد المواد - فلن يكون سيارة الإسعاف لإنقاذ أموال المتقاعدين أو إنقاذ هيئة التأمين الاجتماعي، التي أصيب بعض أموالها بذبحة قلبية على أرصفة المشاريع الاستثمارية، وهو لا يصب في خدمة المواطنين المتقاعدين، ولا مصلحة المجتمع، وهذا المشروع أصبح قضية رأي عام بامتياز، لشيء بسيط، هو أن المواطن البحريني أثقله جنون الأسعار في كل شيء، وراح يدفع ضريبة باهظة في تحمل خيارات قطع بقية راتبه، والذي في معظمه أصبح يتوزع كفواتير ورسوم إلى الوزارات، التي هي بالأساس تتحمل مسؤولية قرارات خاطئة سابقة في عدم تنويع مصادر دخلها بذكاء استثماري أو محاسبة دقيقة لما تقوم به، والتي اليوم لم تر من تقليل الدين العام أو عجز موازنتها إلا بوضع المجهر على رواتب ودخل المواطن.

هذا ليس حلا، والسؤال.. كم سيوفر المواطن من زيادة الاشتراكات؟ وما الخلطة السحرية ومصباح علاء الدين الذي ستحصل عليه الهيئة لو أنها أعطيت السلطة المطلقة في القانون؟ وما خلطة العطار التي ستحصل عليها لو قامت السلطة التشريعية بقص وانتقاص لحم صلاحيتها لتقدمه على شيك بياض، ومنحته لمجلس إدارة هيئة التأمين الاجتماعي، الذي أثبت أن بعض أعضاء مجالسه المتنوعة أدخلوا أموال المتقاعدين في مغامرات استثمارية فاشلة (يمكن الرجوع لكل تقارير الرقابة المالية لسبعة عشر عاما عن هذا الموضوع)، أقول مغامرات استثمارية فاشلة زادت من تضخم العجز الاكتواري حتى أصبح كالغول.

المفروض تغيير المجلس مع الحد من صلاحياته ومحاسبته على الأخطاء السابقة، لا إعطاؤه السلطة المطلقة في التصرف بأموال المتقاعدين أو التصرف في مزاياهم من دون الرجوع للسلطة التشريعية.

وأعتقد أن إنزال مشروع قانون مهم وحساس ببرشوت على السلطة التشريعية وبصفة الاستعجال يربك في اتخاذ قرار صائب وهادئ، ويحشر الجميع في وضع ثيرمومتر يقيس حجم المصلحة الحقيقية لأي طرف حتى على مجلس الهيئة، فهل لو تم خروج مشروع القانون هذا للنور ستتحمل الهيئة كارثية القرار مستقبلا، وستمتلك المسؤولية التاريخية بالاعتراف بخطأ مشروع القانون وتمتلك جراءة الاستقالة؟ علما أننا إلى اليوم لم نسمع اعتذارا ولو خجولا من قبل أي مسؤول في الهيئة لما حدث طيلة السنين الماضية من أخطاء ساهمت بشكل كبير في تبخر أموال الصندوق أو ارتكاب أخطاء إستراتيجية في مشاريع استثمارات الصندوق قادت إلى العجز الاكتواري، فإذا كان الصندوق يعاني هو من عجز، فكيف سيعالج عجز المتقاعدين الذين أفنوا حياتهم خدمة لهذا الوطن، ويحتاجون إلى حياة مطمئنة ومستقرة؟

إن إلغاء التقاعد المبكر أو رفع سن التقاعد أو المساس بمكافأة نهاية الخدمة أو تحديد نسبة الاشتراكات لن تكون خاتم سليمان الذي سيحل الأزمة الاقتصادية، ولن يجعل البحرين في مصاف أكبر الدول ثراء في العالم، بل إنه سيؤدي إلى صناعة حزن عام، وسيساهم في إضعاف ثقة الناس في السلطة التشريعية، خصوصا إذا أعطت صلاحيتها للسلطة التنفيذية، وهذا يخالف مبدأ فصل السلطات أو تنازل بعضها للآخر، فلا يوجد سلطة تشريعية في العالم تسعى إلى الانتقاص من صلاحيتها.

هناك تبريرات تساق من أن هذا المشروع بقانون “يأتي في سياق توصيات الخبير الاكتواري، والهدف منه إطالة عمر الصندوق أو الحفاظ على أمواله وتفادي أي عجز متوقع مستقبلا”، وهي تبريرات غير متماسكة، إذ إن الهيئة بكل طواقمها لم تنجح في الحد من العجز أو زيادة عوائد الاستثمارات طيلة هذه السنين الطوال مع وجود الوفرة المالية وتوفر الأرضيّة الخصبة لإنجاح الاستثمار، فكيف ستتمكن وبقدرة قادر وبتمثيل دور البطل المتقد من أن توقف نزيف الصندوق في ظل وضع اقتصادي خانق؟

إن بند القانون الحالي بعدم جواز الانتقاص من المزايا التقاعدية أو زيادة اشتراكات التقاعد إلا بقانون هو البند الذي استطاع أن يقلل ولو قليلا من تبخر البقية الباقية من أموال المتقاعدين فكيف يتم إلغاؤه؟

أما من ناحية نبض المجتمع، فأتمنى من مسؤولي الهيئة الاقتراب من المجتمع؛ ليعرفوا حجم الاستياء الشعبي العام من الإقدام على خطوة كهذه، خصوصا أننا نمتلك متسعا من الوقت لإعادة تقييم ودراسة مثل هذا القانون؛ ليكون أكثر دقة وواقعية لخدمة الجميع، خصوصا أن البحرين بفضل الاكتشاف النفطي بإمكانها أن توفق لصياغة قانون مستقبلي للتقاعد يناسب هذا الاكتشاف، ويزيد من ارتياح الجميع.

نحن في البحرين رغم الوضع الاقتصادي نلحظ كيف أن جلالة الملك وسمو رئيس الوزراء وسمو ولي العهد شغلهم الشاغل توفير الحياة الكريمة للمواطن البحريني.

وما هذه المشاريع الإسكانية الضخمة والمتابعة لهموم المواطن إلا دليل كبير على ذلك، فنتمنى من مسؤولي الهيئة أن يتريثوا في الدفع بمثل هذه القوانين.

إن إيصال صوت الناس بكل حرفية، ونقد أي قانون بكل تجرد وموضوعية هو الرأي الآخر الذي يجب إيصاله، خصوصا أن الرأي المقابل لهذا الرأي أخذ أيضًا حيزا كبيرا من الاستماع.

وبالإمكان صياغة مشروع بقانون جديد بتأن ودقة، ويعطى الوقت الكافي للدراسة. سؤال أخير، إن جلالة الملك، حفظه الله، وهب أرضا كبرى للصندوق منذ أمد دعما لفقراء الشعب المتقاعدين وغيرهم، ومازالت الأراضي لم تستثمر للأسف. أقول أتمنى ألا يطبق قانون “مت قاعد يا متقاعد”؛ لتعم الفرحة على الجميع.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية