العدد 3555
الإثنين 09 يوليو 2018
أناشدكم... أشدّ على أياديكم (1)
الإثنين 09 يوليو 2018

إنها مسألة نفسية جعلتني ما إن أفتح مرفقا صوتيا لأحدهم يقول: “يا جماعة الخير”، حتى أبادر إلى إغلاقه على الفور حتى من دون أن أكمل ما يريد قوله... نعم إنه تصرف خاطئ، فلربما تحمل الرسالة الصوتية ما هو مفيد، ولكنها في الغالب الأعم تحمل رسالة استجداء و“طرارة” مضمّخة بعبارات تستوجب الخجل لكثرة ما فيها من “تمسكن” لا يليق.

أقول لا يليق لأن شعب البحرين انبنى – أساساً – على أنه يهندس مصيره، يكدح ويعمل، يدرس ويجتهد، يبزّ أقرانه لكثرة ما لديه من إصرار وحماس وقدرة، لا لأنه أفضل جينياً من غيره، أبداً، ولكنه لم يتنعّم بالعيش الرغد السهل، ولم يصحُ يوماً على ثروة هبطت عليه من حيث لا يدري فحوّلت حياته إلى جملة لا متناهية من المجانيات، على الرغم من الوفرة المادية (الطفرة الأولى) التي تسببت بها حرب أكتوبر 1973، إلا أنها أسهمت محلياً في الكثير من مشاريع البنية التحتية التي بدأت التهالك الآن، ولكنها أيضاً لم تسهم في التحولات المجانية الكبرى على مستوى الأفراد، وإن أسميت دول المنطقة جميعها بالدول الريعية، والأنظمة الأبوية التي تكفي أبناءها مؤونة التفكير والمشقة، وتحميهم حتى من تصرفاتهم الطائشة على المستوى المادي على الأٌقل.

جاءت الطفرة الثانية في النصف الأول من العشرية الأولى من هذا القرن، وأنعشت الكثير من الأعمال، وجعلت السباق على أشده على تعالي الأبراج وإنشاء مصارف الجملة التي تراجعت اليوم كما تتراجع الأمواج بعد المدّ، ولكنها أتت أيضاً في ظل سباقات في الدول المحيطة في مدّ أفراد شعوبها بمكاسب لم نسمع في التاريخ، حديثه وقديمه، أنها جرت للناس، وذلك بالزيادات المتلاحقة في الرواتب فقط لأن هناك فوائض مالية بسبب الإنتاج الغزير للنفط، ومنها رفع الرواتب في بعض الدول بنسبة 100 %، وهذا أمر في منتهى الغرابة، والسؤال: هذه المضاعفة في مقابل ماذا؟ لا يهمّ الجواب، ولكن بات الأمر وكأنه لزام على الحكومة هنا أن تضاعف الرواتب أيضاً لأن البحرين “دولة نفطية” كما يجري تكرار هذه العبارة بصرف النظر عن حجم ما تنتجه من نفط، ويقارن أصحاب “يا جماعة الخير” بيننا وبين جيراننا (زادنا الله وإياهم نعيماً ورزقاً حسناً) بأن يجري علينا ما يجري على أهلنا، وهذا ما تجري المناشدة به في الكثير من الأحيان بشكل مقزز يستلهم الحلول السهلة، ويربّي في الناس انتظار “غودو” الذي لا يأتي، وتأجيل الكدّ والكدح والإنتاج، وتنويم الفاعلية والاجتهاد والتنافسية، وشيوع سهولة الحلول والتساهل إزاء المشاكل والملمّات، لأنّ الدولة أحنّ على أبنائها الذين اقترضوا من دون حساب، أو تهاونوا في بناء ذواتهم لأنهم يقلدون المترفين، فلن تتركهم للضياع، ويكون هناك ترقّب جماعي إذ “قد” تأتي مكرمة للناس بشكل أو بآخر، فتسقط عنهم ديونهم الشخصية، أو تزاد رواتبهم بنسبٍ عالية، فتحلّ مشاكلهم فجأة من دون جهد.

وعندما يطول الانتظار لـ “قد” هذه، وتمرّ المناسبات تلو المناسبات ولا يلوح في الأفق ما أوهم أناس كثيرون أنفسهم به، وأوهموا الآخرين، تبدأ المناشدات التي تتنوع بداياتها، ومن ضمن تنويعاتها “يا جماعة الخير...”.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية