العدد 3581
السبت 04 أغسطس 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
المحمود اللطيف عبداللطيف المحمود
السبت 04 أغسطس 2018

بقدر اعتداله ذاق مرارة جلاله، ففقد شيئا من مجاله دون المساس من جماله، كماله في نقصه ونقصه في كماله. مشى بعلمه المتوقد بين أزقة الفقه، وجدران التاريخ إلا أنه خرج منها يتلمس خيوطا من ضوء خافت بين جدران متوترة من روح متسلقيها.

حاولت بوصلة السياسة إغواء سفينة تسامحه نحو أمواج عارمة، وغاضبة، توتر فيها الجميع لظروف الغليان الاستثنائي إلا أن طبيعة تكوين الرجل الفطري، وتماسك هدوئه التسامحي هي التي عادة ما تنتصر. فبعض من الرجال يعودون إلى ذواتهم عندما تشط لأنا مكرهة نحو الاستقطاب.

عرفته في أكثر محطة، يوما عندما كنت في عمر الـ 22 ربيعا، وانتشار اسمه مع ضوء الشمس، ضمن عريضة المطالبة بعودة الحياة النيابية العام 1992 حيث كان عمَدا في مطالبة رجوع البرلمان إلى حفلة عرس وطني.

كانت بداية خلق الوعي الديمقراطي وكان من المطالبين بقطع تذكرة لرجوع كرسي الديمقراطية الشعبي، فأُكثر عليه مقعد واحد في انتخابات 2014 لبعض جماهير لا تعرف أن تقرأ تاريخ ديمقراطيتها، ومن كانوا يعبّدون طريق الوصول مع تحالفات ضيقة تتوجس خيفة من كارزمية الاعتدال، وإن كانت في رجل مثله.

صحيح أنه انسحب من العريضة باكرا كما انتقده منتقدوه، لكنه رغم ذلك يقوم بتأدية الأقساط الوطنية من جهات أخرى. وقادني الزمن لأكون معه عضوا في المجلس الأعلى الإسلامي، وكان نقطة الاعتدال في المجلس بخلاف ما كان يشاع عنه في الأوساط من طأفنة أو فئوية، بسبب بخار بعض البيانات التي لا تعكس اعتداله الناقد والمسيطر في الأخير. ولا يمكن اختصار الرجال في بيان يتيم في ظرف خاص خارج السياق.

كان في المجلس منصفا لكل الطوائف، وعلى مسافة واحدة من كل المذاهب مدافعا ومنصفا. هو المحمود اللطيف عبداللطيف المحمود. قامة وطنية اختلفنا معها أو عليها. ليس من جمال الحقيقة الوصول إلى التماثل والتماهي والاختزال مع الآخر أيا يكن هو الآخر، فالاختلاف ثراء في قاموس الحضارات، وتقييم ارتفاع الجبال.

حاولت الظروف أن تقزم الرجل في إطار جمعية الوحدة الوطنية أو عرس تجمع الفاتح أو جر تاريخه واختصاره في زاوية سياسية أو نفق مختصر، إلا أني أرى ذلك اختزالا ممتلئا بشوك ظلْم الرجال الاستيعابيين والاستثنائيين أمثال المحمود.

ليس انتقاصا من الجمعية، فلها جمالها، ولكن إيمانا بأن بعض الهامات تعلو على الأسقف. هناك بعض الرجال يسوقهم القدر لأن يكونوا للجميع على مسافة واحدة، وتلزمهم الأقدار لأن يكونوا إنذار أجراس مهما كانت زينة الأعراس على فرس أو أفراس.

اللطيف المحمود، وحيث لكل امرئ من اسمه نصيب، كان المنطقة المرنة للضفة الجميلة من المحرق، حيث يتعملق بين زمن وآخر الانغلاق لبعض الجمعيات في ضفة تطرف هنا أوهناك تماما، كما هو الشيخ أحمد العصفور، يمثل المنطقة المرنة في الضفة الأخرى للمذهب الآخر. العصفور الذي كان نسرا.

حجم المحمود كبر بشكل جميل، وأوشك أن يكون نقطة الارتكاز لحقوق المجتمع البحريني بأجمعه لو استُثمر الرجل جيدا ما بعد الأزمة السياسية. لكن، ولأننا في البحرين، ولأن كثيرا من المنتفعين سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا تكره تعملق قامات الارتكاز، ونقاط التوازن البشري خوفا من توزع الكعكة الاجتماعية للكبار، لا يمكنهم إلا السعي لتأجير زوايا ضيقة لحشر الوحدويين في بئر ضيق أو افتعال زاوية متوترة أو صناعة صبايا صغار للتشويش على النواصي التي كثيرا ما عانقت السماء.

هؤلاء الصغار، وأحيانا لحسن نية، ونتيجة لما يمليه العمر من طيش ومراهقة سياسية من أي طيف أو موقع، وجدوا كثيرا على الشيخ أن يكون الشيخ الجامع جامعا لكل شيخ.

جمال المحمود في دعمه للقيادة كما كان، وبقي، وسيبقى مرهونا لوحدة وطنية، ركائز هذه الوحدة: حمد وخليفة وسلمان، في فلك، كواكبه الرفاع والمحرق والمنامة والبديع وبقية مناطق البحرين.

ان نجاح قيم الشيخ في الاعتدال تكبر عندما يكون له تمثيلا حقيقيا مجتمعيا وبرلمانيا يليق بتاريخ اعتداله، ومواقفه الوطنية، وان كان برجال يحملون قيم الوحدة الوطنية في وقت، الوطن بحاجة إلى نواب معتدلين ينتصرون لقيم المشروع الإصلاحي، ويعملون على شطب أي خطاب متوتر يستدعي ألغام التاريخ وقنابله التي تُستدرج مذهبيا لضرب النسيج المجتمعي، أو تسعى لتذويب أي حق وطني تشريعي أو خدماتي للمجتمع البحريني بكل اطيافه في “تيزاب” برك الضياع.

برلمان 2014 كان الأضعف على الإطلاق من حيث التشريع، ومن حيث الوقوف مع مصالح الشعب من نواب ابطال في اصطناع القضايا الهامشية، وضعاف في القضايا المصيرية، فمن يقومون بالاستجواب هم مسقطوه، ومن يتسابقون على زيارة مجالس الناس عند الترشيح هم من يغلقون هواتفهم بعد النجاح!! والسؤال: كيف سيكون برلمان 2018 لو تكاتف الجميع لاختيار مرشحين معتدلين من كل الأطياف في كل منطقة بحرينية ليشكلوا “لوبيا” وطنيا، يبعد البرلمان عن الانشغال بالشو المتلفز بالعضلات العنترية على الناس إلى خطاب يقف مع تشريع قوانين تدعم حقوق الناس كقانون التقاعد الذي أصبح فيه الرقص العلني على المكشوف.

المواطن في ظل الغلاء وجنونية الضرائب وارتفاع الأسعار يحتاج إلى نواب جدد أولا لتغيير الدماء القديمة بدماء جديدة، وثانيا لنواب جدد يمتلكون الجرأة ليقفوا مع حقوق المجتمع البحريني ويقفون لأجل عيون الوحدة الوطنية منبرا لتعزيز الوحدة الوطنية والوقوف مع الإنجازات ورفض غض الطرف عن أخطاء أي وزير وعدم توزيع البخور ومسح الجوخ لخطأ اي وزير.

يا سادة، تعب البحرينيون من ثقافة “الأكشن الجاكيشاني”. الشيخ الدكتور كان الدكتور الشيخ، هذا الأزهري المعتدل ذو الابتسامة القادمة من تاريخ حافل بالشوك والزجاج المنثور على الطرقات سيبقى لكل البحرينيين، فهذا قدره، فإن كان في جمعية سيمنحها باقته الاعتدالية، وإن تلمس أي زاوية ستكون عطرا ورشات سكر.

وقوفه مع قانون التقاعد وبيانه المطعّم حقوقا وإنسانية واعتدالا بعد طول غيبة دليل آخر على أن الكبار اذا تواروا في الخفاء، فهم يزرعون الأمل في الزوايا لتكون كل الزوايا هي الأمل أو منشغلون في ترتيب حقائب السفر لقطع تذكرة السفر للعودة على أقرب طائرة للاصطفاف مع الوطن. المحمود اللطيف عبداللطيف المحمود، أنت بعض من كل، وكل البعض ويكفيك ذلك فخرا.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية