العدد 3624
الأحد 16 سبتمبر 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
سلام على الجرح الذي ينزف قناديل
الأحد 16 سبتمبر 2018

هي البحرين، قد يتعثر موتور فيها بذيل قنبلة طائفية أو دب غاضب بجرح مركون على الرف بحثا عن طائفية نائمة على سرير الماضي، أو يتجول ذئب يعوي على حدود المدينة، إلا أن وحدهم الناس الطيبون يستدعون القداس الأصيل، والنمير البحريني، والنخلة المستيقظة الحارسة للأبناء، وهي تدعو لعدم الانجرار لأي توتر أو شهية فئوية تتوحم على زراعة خناجر في خاصرة الوحدة الوطنية.

الفيلسوف فولتير كان حارسا لأصابع الكنيسة المتسامحة من دون أن تتورط في تهريب عود ثقاب لكنيسة أخرى، فكان مدافعا عن حقوق مذهب آخر غير مذهبه، وألف كتابا في ذلك.

الكاتب الفرنسي الكبير جان جنيه لم يكن مسلما إلا أنه كان من المستميتين في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني؛ لأنه هو الآخر جلده تمزق ظلما بسبب عنصرية مجتمعه، وكان يدعو العربي للتشبث بأصالته، وكسر المرآة التي يرى فيها الوجود بملامح غربية.

الأديب الروسي تولستوي رغم أنه ولد على سرير ذهبي أرستقراطي إلا أنه كان لصيقا بهموم الفقراء، وكان معجبا بالمثل والقيم الإسلامية والتعايش، ويرى أن السلام الداخلي أهم من التحايل على الوجع الداخلي بصرخات الماركات والشهرة وصيحات الموضة، والهوس بما يسمى في علم النفس بـ “الشراء العاطفي”.

إن اللهث الجنوني وراء “الماركات” سيكولوجيا محاولة لتطبيب جروح الأنا من نزفها، لكنه لا يغني، فالحل لوجع الوحدة واكتئاب الروح هو “البنج” الروحي، وما دعى له فاديم زيلاند بـ “تخفيض الأهمية” لكل شي في الحياة، منصبا كان أو شهرة، أو مالا أو حبيبة.

“التعاسة المرفهة” كما هو مصطلح أحلام مستغانمي، هي صورة من صور تعاسة مقنعة يعيشها كثير من الأغنياء والمشاهير والنجوم كما هو حال الممثلة مارلين مونرو أو الممثل الكوميدي الأميركي روبن وليامز الذي طالما أسعدنا، مُخفيا بداخله تمزق السعادة الداخلية التي تقود للانتحار.

عندنا وحوش السياسة هم وراء تخريب وحرق خيم العلاقات الاجتماعية، ويهمهم كثيرا صناعة حقول الألغام على جراح المجتمع وإيقاظها، خصوصا عند المنعطفات كالانتخابات البرلمانية، أو عند قفز الملفات المصيرية التي باستطاعتها أن تتحول إلى صيدليات علاج لكل الجروح المصيرية.

المثقف الذي يتوتر كفهد إفريقي أو كتمساح آسيوي لا يمكن أن يتحول إلى فراشة زرقاء في يوم وليلة؛ لأن المكون الإنساني عبارة عن تراكم معرفي وتكدس أعمار وأرشيف بناء ثقافي، لهذا نجد الإنسان العادي هو القادر على خياطة الجروح.

في عاشوراء البحرين، نجد مشاهد جميلة من صور تلاقي شباب من كل طائفة في حب الإمام الحسين (ع) والوطن، يطبخون، يغسلون الأطباق مع بعض في المأتم، يتبادلون حب الحسين (ع) وهم يستلهمون منه الفكر الإنساني كما هو طه حسين وعبدالرحمن الشرقاوي ونزار قباني وجورج جرداق وبولس سلامة ومن كتبوا في الحسين (ع). هذه المواقف تذكرنا بالزمن الجميل عندما كان الشيخ أحمد الوائلي خطيبا يرتل محاضراته في المنامة، و “المستمعة” من كل طائفة بجوار بعض قبل 40 عاما.

وحدهم هؤلاء الشباب قادرون على الحفاظ على منجم الوحدة الوطنية مستلهمين مواقف جلالة الملك في صناعة التعايش المجتمعي، وهو يدعم المآتم، ويستقبل رؤساءها، فجلالته عندما دشن المشروع الإصلاحي لأجل كل البحرينيين، وموقف سمو رئيس الوزراء، وهو يحث وزراء الدولة من داخلية وبلديات وصحة للسهر على دعم عشرة محرم. وموقف سمو ولي العهد الذي عرف بتاريخه، وفي أكثر من منعطف زائرا ومواسيا ومصرحا أنه ذو الثقافة الحديثة الممزوجة بالأصالة في محبة الجميع.

مهما حاول خطيب أو نائب أو مثقف أو موظف صناعة جروح طائفية، تبقى مواقف القيادة والشعب الأصيل بكل طوائفه صمام الأمان لحفظ البلد نحو عرس التعايش. هذا الغرس يدوم بعُرس. ونبقى نرتل شعر نزار وهو يرثي الحسين (ع): “إن لم يكن بين الحسين وبيننا.. نسبٌ فيكفينا الرثاء له نسب.. لا ينقضي ذكر الحسين بثغرهم.. وعلى امتداد الدهر يُوقد كاللَّهب.. وكأنَّ لا أكَلَ الزمانُ على دمٍ.. كدم الحسين بكربلاء ولا شرب”.

وفِي قصيدة أخرى يقول: “من وَجَع الحسين نأتي.. من أسى فاطمةَ الزهراءْ.. من أُحُدٍ.. نأتي ومن بَدْرٍ ومن أحزان كربلاءْ”.

سلام على الحسين (ع) وهو يلملم الجراح موحدا للجميع؛ ليكون الوطن أجمل وطن. سلام على الجرح الذي ينزف قناديل.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية