العدد 3628
الخميس 20 سبتمبر 2018
في الجغرافيا المستحيلة (2)
الخميس 20 سبتمبر 2018

وضع روسيا ليس كذلك، لكنها في الموضوع السوري وجدت نفسها، وأيضاً في ربع الساعة الأخير من الحرب، غير قادرة على إعلان “إتمام المهمة”، وأن الوعاء السوري، على أهميته بالنسبة إليها، لا يمكنه استيعاب كل مصالحها! ولا اختصار استراتيجيتها: لا هي قادرة (أو راغبة) في تنفيذ قرار غيرها، الولايات المتحدة وإسرائيل لجهة التصدي للنفوذ الإيراني، ولا هي مستعدّة لفتح مواجهة مع الجار التركي تبعاً لتضارب المصالح في إدلب وانطلاقاً منها! ولا هي في الوقت نفسه قادرة على تغطية جريمة كيماوية أسدية أخرى في ضوء المواقف الحازمة التي خرجت من واشنطن والترويكا الأوروبية (لندن، باريس، برلين).

وبالتالي اكتشفت موسكو الحدود الأخيرة للمناورة! وعدم قدرتها على اعتبار المرحلي دائما، أي أن الجسر الذي بنته في سوريا بدورها العسكري، بين إسرائيل وإيران تحطّم أخيراً بعد الانتهاء من معظم فصول مسرحية الحرب على الإرهاب! وصارت أمام اختيار لا تريده (الآن!) بين صداقتها المتينة مع إسرائيل و”تفهّمها” التام لـ “أمنها” ومصالحها، وبين علاقاتها مع إيران المطلوب الآن السعي إلى نسف دورها في سوريا!

وكذا الحال بالنسبة إلى منصّة أستانا التي تريد موسكو بالتأكيد إبقاءها على ما هي عليه باعتبارها دائمة وليست مرحلية في حين تدلّ إدلب منطقياً وعملياً على انتهاء مفعولها وانفراط عقدها الثلاثي: أنقرة وافقت مع موسكو (وطهران استطراداً) على ما وافق عليه الأميركيون والأوروبيون (مرحلياً) لجهة تفضيل السيئ الذي هو بشار الأسد على الأسوأ الذي هو الإرهاب بكل عناوينه، لكنها (أي أنقرة) لا تستطيع لاعتبارات استراتيجية أمنية قومية حاسمة، القبول بتطور ميداني (أخير) يمكنه أن يعرّض مصالحها تلك لمخاطر حقيقية من خلال السماح بإتمام مذبحة كبرى في إدلب.

ولغة المصالح التي جمعت الأطراف الثلاثة في أستانا، هي ذاتها التي تعتمدها أنقرة الآن في وجه شريكيها اللذين لا يستطيعان مبدئياً مجادلتها فيها، أو مطالبتها بالتخلّي عنها لحسابهما، واستطراداً كي يقول مخلوق مثل بشّار الأسد إنه “انتصر”!

الجغرافيا المستحيلة جعلت المنطق التركي ممكناً، وناجحاً، والبديل عن ذلك، حديث تخريفي عن مواجهات وحروب كبرى!.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية