العدد 3642
الخميس 04 أكتوبر 2018
ومع ذلك... “أحلى من الشرف ما فيش”
الخميس 04 أكتوبر 2018

كثيرون منا تلقوا دروساً غير ممنهجة عن كيف يسلكون في الحياة طريقاً معبّداً بالقدرات الذاتية وأهمية تطويرها، وتنمية ما لدى الفرد منا من مهارات، واكتساب مهارات أخرى جديدة تعينه على تخطي ما سبق وإن تعثر فيه، ووقف عنده من الحواجز، فتوسعة شبكة الاتصالات والعلاقات، مرة إثر أخرى، قد توصل الفرد إلى ما يصبو إليه، لينتقل إلى مرحلة جديدة من طموحاته، فلا أحد يجلس أمام معلميه، وعلى رأسهم والداه، ليتلقى تعليماً تلقينياً كهذا، وإنما يستشفّه من سير الحياة، والخميرة التي تؤسسه على الكرامة والشرف والعدل.

وبما أن الناس ليسوا سواء، فليس كل من تلقى درساً وعاه وحفظه وطبّقه، ذلك أن الأنظمة القائمة في الكثير من الدول العربية، تعمل بشكل ممنهج (هذه المرة) على هدم هذه القيم التنافسية، وتجفيف الخميرة حتى يجري تفتيتها، فصارت الواسطات السبل الأهم والأقوى والأسرع والأمضى للتوظيف والترقي، ينظر إليهم الآخرون بحسرة، صار من يخالفون أنظمة السير المرورية، ويسيرون بسرعة عالية في خط الطوارئ على يمين الشارع متخطين أرتال السيارات الواقفة باحترام في انتظار دورها، يصلون أسرع، ويتخطون الازدحامات والأزمات المرورية، ويبقى الملتزمون بالقانون في أماكنهم تغلي مراجلهم من ضغط الدم حتى تنفتح الطرقات. يرى من يمسك بالرقم 538 في انتظار دوره أنه دخل من أتى بعده بمدة زمنية ليست قصيرة، في حين يبتسم لك الحاجب بابتسامة منكسرة تعني “لستَ غريباً... أنت تعرف الحال”، ومن يحاول البحث عن طابور يصطفّ فيه محاولاً أن يبدو في وضع المتحضر عند بعض الخدمات، يرى أن المخالفين المتكدسين من غير انتظام، والذين يزاحمون بالمناكب والأقدام هم الذي يفوزون بالأسبقية، وهو ينتظر حتى يصبح في آخر المستفيدين فقط لأنه قرر أن يلتزم بالنظام كما تعلم وتشرّب، ومن يوقف سيارته بين موقفين في أماكن تحاول السيارات أن تجد لها ثقب إبرة لتقف فيها، هو الفائز لأن على الآخرين أن يبحثوا عن مواقف بديلة لأن هذا السائق لا يريد من يقف على طرفين ويضايقه عند الرجوع إلى سيارته أو قد يخدش سطحها عند فتح الباب، فعلى الآخرين أن يتحملوا أنانية هذا الصنف... والأمثلة في هذا كثيرة جداً.

في هذه الحالات، يجد الملتزمون في أيّ موقف أنهم الخاسر الأكبر من “الاحترام” و ”النظام”، مادام النظام لا يحاسب ولا يعاقب المخترقين لحقوق الغير، ولا يحرم المخالفين من الخدمة، أو يجبرهم على أن يتلقوا ما يريدون وقوفاً عند آخر الصف حتى يتعلموا معنى النظام والاحترام، ولا حتى ينهر أو يوبّخ المتجاوزين لحقوق الغير، عندها لا عجب إن رأينا معسكر الاحترام والالتزام في تآكل مستمر، فالحياة ليست أفلاماً أميركية يفوز الأخيار في نهاية الفيلم على الأشرار وتسود السعادة والطمأنينة، بل عندما يرى الناس تبلّد الأنظمة، وافتقاد المحاسبة، والعجز عن الأخذ بالحزم في الأمور اليومية، فإننا أمام الفوضى ولاشك، ويصبح تالياً من الصعب أن تقنع صغارك بفوز من يلتزم القانون لأنهم يرون أن اختراقه أسهل، وأقصر الطرق للوصول إلى غاياتهم، و... “خلِّ الشرف ينفعك”!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية