العدد 3649
الخميس 11 أكتوبر 2018
أجهزة حكومية منزوعة الدسم
الخميس 11 أكتوبر 2018

ليس للناس في البحرين من حديث في اليومين الماضيين إلا نظام التقاعد الذي جرى طرحه هذا الأسبوع، فما عليك إلا أن تمر بالقرب من أي اثنين في أية مؤسسة حكومية، حتى تسمع عبارات تتأرجح بين شراء سنوات الخدمة، والخدمة الفعلية، والراتب التقاعدي، ومكافأة نهاية الخدمة، والكثير من العبارات التي كان الموظفون – في الأساس – يصحون وينامون عليها، ولا تفارق أيديهم الحاسبات لمعرفة ما سيؤول لهم من رواتب تقاعدية، ولا تنزل هواتفهم عن آذانهم وهم يتصلون بالهيئة العامة للتأمين الاجتماعي يسألون فيما لو فكروا في التقاعد، فكيف والعرض اليوم صار حقيقياً وملء اليد!

وفي الوقت نفسه، امتلأت دوائر الموارد البشرية، أو شؤون الموظفين بالمراجعين الذين يراجعون ويتأكدون مما قد يحصلون عليه فيما لو فكروا في مغادرة العمل الحكومي في ظل هذه الفرصة في نظر الكثير من الناس، نظراً لما تقدمه في اليد من مبالغ جيدة، بما يشتت النظر عن الرواتب النحيفة التي تتبقى للمؤمن عليه، وبالتالي فهذه واحدة مما يجب على المقبل على التقاعد التفكير فيها ملياً قبل الإقدام على هذه الخطوة.

ثمة أسئلة تراود أيّ فردٍ فينا عن حال المتقاعدين من جهة، وحال الأشغال من جهة أخرى، فهذه الدعوة للتقاعد قد تجرّ معها، وسبق أن جرّت عملية التخويف التي جرت في 2016، الآلاف من الكفاءات المهمة للقفز من على سطح المركب الذي أشيع أنه يغرق، وفضلوا أن يؤسسوا أعمالهم الخاصة، أو يصبحوا من عداد المتقاعدين إذا لم تسعفهم قدراتهم على إنجاح الأعمال، لكن في المقابل هناك إفقار للجهات الرسمية التي ستقول – ولا شك – إن أعداد المتقاعدين بالآلاف المؤلَّفة هذه المرة، لكن هل تم وضع نظام في المقابل يمكنه أن يسهّل خروج الزيادات الكبيرة من الكوادر الحكومية، التي جرى حشو المؤسسات الحكومية بها ذات طفرة، وصاروا لقمة لا يبتلعها البند الأول من الميزانيات (الرواتب)، وفي المقابل أن يسهم هذا النظام في بقاء، وإبقاء واستبقاء اللامعين من الموظفين؟ هل هناك نظام ترغيبي عكسي يعرض عليهم... برنامج لا يطرد إنما يحتضن، بل يحيط بكلتا ذراعيه بالنوعية ذات الإنتاج العالي، والمتميز من الموظفين بدلاً من فتح الأبواب من دون تمييز بين الخارجين؟!

المناداة بالحكومة الرشيقة شيء، والذهاب إلى حكومة نحيفة شيء آخر، المناداة بالأجهزة الخالية من الترهل أمر قديم، لكن ما حدث في البحرين في اليومين الأخيرين والأيام القليلة المقبلة ترجيحاً يمكن أن ينتهي بأجهزة منزوعة الدسم، لا طعم لها ولا هي شهية، كل ما فيها أنها ستوفر مبالغ من المال، وهذا عبر الرواتب التقاعدية غير المجزية التي ستصرف لهم طوال تقاعدهم مقابل دفعة تبدو للوهلة الأولى مغرية ومجزية، لكن ما الذي سيحل بالأداء الحكومي؟ هل سيذهب غير المنتجين ويبقى المنتجون؟ هل سيبقى التقليديون لينقلوا “أحلى” التجارب وأكثرها جموداً و”صندوقية” إلى الأجيال المقبلة؟ هل تم وضع حدود دنيا لا يمكن للوزارات أن تسيّر أعمالها من خلالها بخريجين جدد؟

أرجو أن تكون هذه الأسئلة - وأكثر منها - قد دارت في الأذهان قبل الطرح... أرجو.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية