العدد 3649
الخميس 11 أكتوبر 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الاعتدال والطرزانية في السياسة
الخميس 11 أكتوبر 2018

الدعم المالي الخليجي الذي قدمته المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات ينشط ذاكرة المواطن البحريني بأن الدنيا مازالت بخير، ومازال هناك رهان حقيقي على البقية الباقية من تعاون في مجلس التعاون الخليجي، وأننا نمتلك علاقة متميزة، وواعدة، وتبحث عن استقرار.

ترهقنا العنتريات التي تتسلل إلى الخليج على الطريقة “القذافية” بنكهة “ملك ملوك إفريقيا” كما كان يحلم، أو زرق الدم الجيفاري بطريقة معكوسة، وبأسلوب تلفزيوني في مخيلة العقل الخليجي.

لهذا الخليج عرف بالحكمة والوسطية والاعتدال في السياسة، لا تستهويه المراهقات السياسية، ولا لعبة الفلامنكو على حقول الألغام، ولا تغريه تمثيل دور عنترة أو لعب دور البطل العملاق ولو بطريقة بيع أكياس الوهم للفقراء.

مر الخليج بحروب طاحنة، الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج الثانية، وحروب المد القومي الناصري، واشتعال حركات شيوعية في أكثر من خيمة عربية، لكنه ظل محتفظا بهدوئه، يجيد اللعب فوق رؤوس الأفاعي والثعابين، وقادر على المشي على حبال مشدود بين المصالح والمبادئ.

الخليج ليس درويشا، وقرأ توصيات ميكافيللي في الأمير، لكنه يمتلك حكمة مانديلا وغاندي، وكل الذي نطمح فيه هو الاحتفاظ بهذا الجو المرن من الاعتدال والعقلانية، فلا نريد ديمقراطية بلا أَسنان، ولا نريد أحزابا لها قدرة فائقة في التهيؤ لافتراس السلطة.

لعل الذي قاد دولة قطر وإيران تحديدا لعزلة خليجية ودوليا هو محاولة تقمص لباس المراهق السياسي ولَبْس ثوب النبي، وتمثيل دور السياسي العفيف وإن كان بخفي تحته حقيقة السياسي الميكافيللي الماكر.

لا إيران استطاعات أن تتحول إلى شرطي الخليج، ولا قطر استطاعت أن تصبح نابليون العرب لأمر بسيط، افتقادهما الأسباب الموضوعية، والثقافة المختلطة ما بين المصالح والمبادئ، والكاريزما، وهبة الجغرافيا الكبيرة.

كلنا نعلم أن السياسة مصالح، ولكن علمنا التاريخ أن السياسي الذي تستهويه المغامرات، واستعراض عضلات الجسد لا عضلات العقل قد يكتشف في لحظة تاريخية قاسية أنه يقود نفسه نحو المحرقة أو من يحرق نفسه بمادة حارقة ظانا أنها صابون. هيجل تكلم عن مكر التاريخ، فلا تكن غبيا، والوسطية والاعتدال هو الانتصار الحقيقي.

وكتاب فن الحرب كتاب مهم لأي سياسي يبحث عن الحكمة لا الرومانسية. هناك مقولة “أنْ تتوقع من العالم أن يعاملك بعدل لأنك إنسان رومانسي في السياسة، يشبه نوعًا ما، توقّعك ألا يهاجمك الثور لأنك نباتي” خلال قراءتي التاريخ والفلسفة وعلوم الأنثروبولجيا والدين والأدب وخبرتي بصراعات الأحزاب، والدول وصلت إلى قناعة مفادها أن أكون محبا ومواليا لقيادة بلادي ووطني، وأن أمارس النقد الذاتي الحضاري لأخطاء المؤسسات، فالمثقف الناقد الموضوعي هو من ينتصر لقيادته ووطنه خصوصا في المنعطفات، ويمارس النقد لسلبيات المؤسسات والوزراء، ويصفق للإنجازات.

أقول قطر وإيران كجيران أصبحا مراهقين سياسيا وأخطأوا كثيرا في حق البحرين، ومارسوا مراهقات سياسية وإعلامية لن تؤثر على البحرين، ومحاولات مَس الأمن بتهييج الشارع لم تجد نفعا، وأن السعودية والإمارات والكويت أيضا جيران، لكنهم مارسوا دورا كبيرا بدعم البحرين واليوم يدعمون الاقتصاد البحريني، وهذا عمل يستحق الشكر، وهنا يتكرس حقيقة الجيرة والالتقاء الديني والعروبي. نظرية عنترة أفشلت مشروع القذافي، ومشاريع الإسلام السياسي، ومشروع الإخوان، وإيران، وكل المشاريع الشيوعية.

الاعتدال والوسطية هي الحل والسعادة الحقيقية. هذا ما أوصى به الإسلام ورسوله (ص) والإمام علي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام والصحابة (ر) وأفلاطون وغاندي ومانديلا وفولتير وتولستوي ونيتشه وجان جاك روسو والداعية محمد عبده وهاني فحص وشكيب ـ رسلان وفاديم زيلاند وراسل، وكل مفكري العالم.

التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية