العدد 3659
الأحد 21 أكتوبر 2018
معرض الظلال في لندن.. رسالة الفن في أروع صورها
الأحد 21 أكتوبر 2018

دعاني فارس الفن، الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة، المعروف في عالم الفن التشكيلي  باسم “راشد خليفة” لزيارة معرضه، الذي نظمته إدارة مركز ساتشي للفنون Saatchi Gallery في قلب العاصمة البريطانية لندن، تحت عنوان “ظلال”، في الفترة من 3 حتى 21 من هذا الشهر، فلبيت الدعوة، كما لباها لفيف من أصدقاء الفنان وعدد كبير من عشاق وأساطين الفن التشكيلي وغيرهم من المهتمين، كما غصّت قاعتا العرض بعدد كبير من رواد وزوار المركز. وقد شدَّني وبهرني، كما شدَّ وبهر الحضورَ الكثيفَ للمعرض، مقدرةُ هذا الفنان على التعاطي والتعامل والتفاعل مع مواضيع تراثية تاريخية أصيلة بأساليب حديثة متجددة وأدوات ومواد مبتكرة أو غير تقليدية.

   والشيخ راشد، أو راشد خليفة، فنان قدير موهوب  منذ صباه، وأصبح بين يديه الآن ذخيرة فنية وافرة، وخبرة تمتد لأكثر من أربعين عامًا، رسم خلالها الكثير من اللوحات، وأنجز الكثير من المنحوتات الإبداعية الرائعة.

وتميزت أعماله دائمًا بالأصالة والشجاعة والجرأة على التجديد واقتحام آفاق مبتكرة، وأصبح راشد خليفة من رواد الفنّ التشكيلي، ووجها بارزا ولامعا في مضمارالحركة التشكيلية في العالم العربي، وله امتداد وتواجد محسوس على الساحة الفنية العالمية، وقد تطورت أعماله بوتائر مطّردة ومتتابعة من الفن الواقعي والانطباعي، إلى أن وصل إلى مرتبة متقدمة في عالم الفن التجريدي مع التصاقه وتمسّكه، في الوقت ذاته، بجذور الأصالة والتراث، فصار فنانًا  بارعًا يستنبط أساليبه وأفكاره من معين النمو والتطور والتجديد، ويعبر عن ذاته باستخدام مواد مختلفة، كالمواد المعدنية، على سبيل المثال، وتطويعها وتوظيفها لصنع أشكال هندسية لها مدلولات ورموز تراثية وحضارية

وقد تمكن الشيخ راشد، من خلال معرضه الأخير، من استدعاء وتجنيد وإدماج خبرته وذخيرته الفنية المتراكمة وقدراته الإبداعية الابتكارية التجديدية مع حرصه على التمسك بالأصالة وإبراز الجوانب والمعالم التراثية والحضارية العربية.

واختار، لهذا الغرض، المشربيات كمادة وعنوان وموضوع لمعرضه، وهي فكرة تزخر وتزهو بالابتكار والجنوح والتجديد، فقام بنقل المشربيات من ”فرجان” البحرين وشوارعها القديمة الضيقة، إلى قاعات مركز ساتشي بقلب العاصمة البريطانية، عاصمة الفن، وذلك في أشكال وتصاميم مبتكرة تنبض بالأصالة والحياة وعبق التاريج.

فتوسطت قاعات المعرض وجدرانه معروضات فنية ومنحوتات لعدد من المشربيات فيها الكثير من الأبعاد والمعاني والدلالات، وتعج بالحركة والتداخل والانسيابية بإيقاع عاطفي هادئ زاه جميل.   

والمشربية، مفرد مشربيات، وهي عنصر معماري يتمثل في بروز الردهات والغرف في الطابق الأول أو ما فوقه، ليمتد فوق الشارع أو الطريق أو داخل فناء المبنى في بيوت الأثرياء أو القصور ذات الأفنية الوسطية، وتبنى المشربية من الخشب المنقوش والمزخرف.

وقد كانت المشربية من أهم عناصر العمارة التقليدية الصحراوية في البلاد العربية، وبدأ ظهورها في القرن الثالث عشر الميلادي إبّان العصر العباسي، ويكثر استخدامها في القصور والبيوت الفارهة،   

وتُعَرَّف المشربية أيضًا على أنها نافذة أو فراغ أو فتحة في الجدار مغطاة بإطار مكون من تَراكُب مجموعة من القطع الخشبية الصغيرة دائرية المقطع على شكل سلاسل تفصل بينها مسافات محددة ومنتظمة بشكل هندسي زخرفي دقيق وبالغ التعقيد.

والمشربيات ستائر جميلة مزخرفة توحي بالغموض وتثير الاهتمام والفضول، ولها جملة من الوظائف الحياتية والمعيشية المستجيبة للظروف المناخية الصعبة ومتطلبات العادات والتقاليد.

فإلى جانب إضفاء مسحة جمالية على المبنى، فإنها تعمل على تلطيف الجو من الداخل بالسماح للنسمات بالعبور، ومنع أشعة الشمس ولهيب القيض من التسلل بسهولة إلى الداخل، وفي الوقت نفسه توفر الضوء بالسماح لقليل من الأشعة بالنفاذ، من خلال الفتحات الصغيرة، إلى الداخل بومضات صغيرة متفرقة وأشكال هندسية راقصة ومتحركة بحركة الشمس. ولعل من أهم وظائف وأغراض المشربية توفيرالرؤية الواضحة من الداخل للخارج واستحالتها من الخارج إلى الداخل.

وبذلك توفر الخصوصية وراء تلك الأستار والقطع الخشبية المزخرفة، التي تخفي الحركة في الخلف، حيث تستطيع المرأة من ورائها كشف الوجه والتحرك بحرية والاسترخاء دون خشية من رقيب.

في هذا المعرض نجح الشيخ راشد في التحكم في الطبيعة الوظيفية للمشربية عن طريق تنويع سمات الإطار الخارجي، وأبدع في استخدام قطع معدنية ذات أحجام صغيرة، بدلا من الخشبية، وتركيبها مع  بعضها بعضًا في تناسق مهيب.

في هذا المعرض أيضًا تجلت إمكانات وقدرات الفنان البحريني على استنهاض رسالة الفن، وتطويعها واستخدامها، في أرقى المجتمعات وأكثرها تقدمًا، كأداة لإبراز الصورة الجميلة الناصعة للوطن ومعالمه وتراثه الحضاري، وهذا ما يفرض علينا دعوة المؤسسات الرسمية ومؤسسات وفعاليات القطاع الخاص إلى زيادة وتكثيف الرعاية والاهتمام بالفن ورجاله في المجتمع ودعمهم بكل الوسائل والطرق والإمكانيات.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية