العدد 3708
الأحد 09 ديسمبر 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
جدحفص... مدينة المفاجآت
الأحد 09 ديسمبر 2018

لست بحاجة لخريطة لمعرفة الدهاليز الموصلة لقراءة طبيعة التضاريس السياسية والاجتماعية في جدحفص. هذه المدينة المقبلة من جدل التاريخ، ومن أوسع أبوابه، تفاجئك دائما، وفي المنعطفات التاريخية كما يفاجئ بحر هائج طفلا يعبث بكومة رمل على شاطئ.

كل شيء فيها متوقع، وهي تكاد من المدن القليلة التي تتمرد، وتنقلب على شروطها كما تنقلب المعجزة على تماسك الواقع. هذه المدينة كل شيء فيها جائز، وتحمل في أحشائها ألوانا مختلفة من المفاجآت الجدلية التي قد ترمي بها على سطح الحدث دون سابق إنذار. فجدحفص، التي تشكّل جزء منها على يد الشيخ سليمان المدني المشارك دائما مع السلطة في توليفة تنجب دائما مصلحة وطنية للسلطة والمواطن والدين، هي مدينة كانت تستطيع أن تكون من أكثر مدن البحرين مشاركة في الانتخابات البرلمانية لولا كدمات ضبابية قراءة الواقع.

هذه المدينة السابحة ضد التيار، والقادرة على كسر الموج لتصنع أشكالا مختلفة من الجدليات فكرا وسياسة وسوسيولجيا صنعت نفسها بنفسها، تكبر مع الحدث، وتتمرد عليه لتعطي قوالب متقدة، كرات نار وأحيانا كرات ثلج، دائما وأبدا حبلى بالمفاجآت، لكنها سرعان ما تتربص بإعادة التدوير، ورسم لوحات جديدة للتماشي مع كون متغير وصخب عالم ينام على جنون الضجيج.

نسجت جدحفص لتكون قلعة دينية، ولمئات السنين، بيد أن هذه المرة ظهرت نتائج الانتخابات بملامح ليبرالية لا يمكننا الحكم عليها بالأحكام الجاهزة المرفوفة على رف الرفوف المسبقة بتنجيم أو بلورة سحرية تتنبأ بالمستقبل.

هي الأسئلة بدأت معلقة على حبال الشفاه الحيرى، والعيون المطحونة بالتساؤل: كيف لامرأة عزلاء إلا من سلاح الخطاب والكلمة اختطاف القلعة، وتمكنها من حجز مقعد لها في داخل خيمة جدحفصية محاطة بالكاميرات المراقبة أن تتسلل إلى قلوب الكثيرين من جدحفص؟

التساؤل يقود إلى صناعة رغبة في ذات القلعة إلى مراجعة المزاج العام، وضرورة التغيير، وفتح النوافذ لكل ما يخدم هذه المدينة المثخنة بجراح التاريخ وتقلبات الزمن الذي طالما ابتلع ولائمه المشتهاة على فوهة جرح أو دمعة تتدحرج على رصيف غربة. جدحفص تستحق الكثير؛ لأنها أعطت الكثير، ومن حق هذه المدينة الأكثر نسيانا من الكعكة الرسمية أن تكافأ بشوارع جديدة، وخدمات جديدة ووظائف لعاطليها الذين سددوا الكثير من قروضهم الوطنية حبا تجاه الوطن والحكم والمجتمع، فإكراما لها ولشيخها المرحوم الذي كان خامة إنسانية تستحق أن تكون تمثالا وطنيا، للشيخ الجامع بين الدين والوطن، تستحق أن تحول كمدينة سانتوريني اليونانية، وهي التي تسبح فيها الوطنية في دورتها الدموية كرات ولاء بيضاء.

في جدحفص وكل مدينة وقرية بحرينية ليس لنا أن نحكم على أي نائب أو نائبة حتى نرى أداءهما ومقدار ما يمتلكون من خطاب وأداء يستطيعان بهما صناعة الأمل وبث الروح في أي قنديل مكسور بلا عمل على خريطة الوطن.

حييت سفحك عن بعد، فحييني يا مدينة الخير يا أم البساتينِ مع الاعتذار للشاعر الجواهري ودجلة. دمت مدينة، كل فصولها ربيع.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية