العدد 3736
الأحد 06 يناير 2019
حُرمة الخروج على ولي الأمر أو الحاكم
الأحد 06 يناير 2019

أُدْرِكُ أن بعض القراء الكرام قد يتهكم عليَّ لاستخدامي هذا العنوان بأسلوبه ومفرداته، والمنسوب إلى الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله) لعدة أسباب، أهمها أن هذه المقولة أو النظرية أو الفتوى أصبحت في نظر هؤلاء البعض، تمثل مفهوما باليا متخلفا، بعد أن تجاوزته وتطاحنت حوله مختلف الاتجاهات والمذاهب، ويعتبرونه مصطلحا خرج بالتأكيد عن سياق المفردات والأفكار والمفاهيم العصرية الحديثة، مع أنه يشكل في الواقع أحد أهم المبادئ في الفكر السياسي الإسلامي والغربي على حد سواء.فقد أَدْرَكَ الكثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء في السابق واللاحق، وحذروا من مغبة السعي لتغيير الأنظمة السياسية والاجتماعية بالقوة، وفي القرن السابع عشر الميلادي برز في هذا المضمار من بين وجوه عديدة المفكر والفيلسوف البريطاني الشامخ توماس هوبس Thomas Hobbes الذي أرسى فكرا يدعو إلى ضرورة إطاعة سلطة الحكم السيادية؛ حتى لا ينزلق المجتمع إلى هاوية الفوضى. وحَمل الفكر نفسه وزاد عليه الكثير من الفلاسفة والمفكرين في العصر الحديث.

وقبل ذلك بقرون، وفي التاريخ الإسلامي، في عصر الدولة العباسية، برز الإمام أحمد بن حنبل عندما صدح صوته محذرًا من مغبة تغيير الأنظمة السياسية بالقوة أو ما أسماه بالخروج على ولي الأمر أو الحاكم، مؤكدا أن البديل الأفضل والأوجب في حالة ظُلم الحاكم هو الصبر والثبات والركون إلى وسائل النصح والحوار والإقناع، على الرغم من أن الإمام أحمد كان قد تعرض شخصيًا إلى مختلف صنوف الأذى النفسي والجسماني بما في ذلك السجن والضرب المبرح بالسياط على يد نظام المأمون والمعتصم، إلا أن ذلك لم يغير من مواقفه، بل رَسَّخَ قناعته وإيمانه بأن المفاسد المترتبة على الخروج على أولياء الأمور أعظم وأكبر من المصالح المتوقعة من وراء إسقاطهم بالقوة.

لقد أثبت التاريخ صحة ورجاحة هذه النظريات، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل قاعدة شواذ، فتعلمت الشعوب والمجتمعات المتطورة المتحضرة، وأصبحت الآن تعي وتتجنب مخاطر وخسائر مؤامرات ومغامرات حركات التغيير بالقوة والعنف للأنظمة السياسية والاجتماعية، التي يتم التخطيط لها في المعسكرات أو خلف الكواليس والجدران أو في الحانات والمقاهي أو داخل الحجرات المظلمة، ويتم تنفيذها في الشوارع وعلى جثث الأبرياء وبدمائهم وأرواحهم، وقد ذاقت تلك الشعوب والدول مرارة وقساوة أهوال تلك المؤمرات والمغامرات، ودفعت ثمنًا باهظًا لتوفر للإنسانية دروسا وعبرا لا تقدر قيمتها.

فمازالت شعوب أوروبا، وشعوب العالم أجمع، تقرأ وتتذكر ما حصل في فرنسا بعد ثورة الباستيل الماجدة التي انطلقت شرارتها الأولى في العام 1789، وأطاحت بالملكية وأنشأت الجمهورية التي أصبحت على نحو متزايد استبدادية وعسكرية، وتُوجت بدكتاتورية نابليون، وجعلت فرنسا تغرق لسنوات طويلة في بحر من الفوضى والتخبط والتصفيات والاقتتال خسرت فيها الكثير قبل أن تصل إلى بر السكينة والاستقرار.

والكل يتذكر ما قالته، في هذا الصدد، المرأة الحديدية مرغريت ثاتشر، أحد رؤساء وزراء بريطانيا السابقين عندما قالت: “يدهشني أن يحتفل الفرنسيون بثورتهم وهي ثورة دموية كان فيها شنق وإعدام بالمقصلة وسجون، وليس صحيحًا أنها بيضاء من غير سوء، بل كلها سوء!”.

وكلنا يعرف بالطبع ما حصل في روسيا وكيف قام الاتحاد السوفييتي وكيف تهاوى وانهار بعد سبعين عامًا من الحكم الآيديولوجي الشيوعي، وكم كانت حجم الخسائر والويلات التي نتجت عن ذلك. والأمثلة كثيرة لا مكان أو مجال للتطرق إليها ولو بشكل عابر مقتضب.

لكننا في العالم العربي، حتى الآن كما يبدو أو حتى عهد قريب جدا، لم نستفد بما فيه الكفاية من تلك التجارب أو نستوعب دروس التاريخ على مراحله المختلفة، ولذلك فإن الأمل يبقى معقودًا على دور الشباب ووعيهم، وضرورة تمسكهم بقيم السلم واللاعنف، واحترام الممارسات الديمقراطية والمؤسسات الدستورية في حالة الحاجة لإحداث التغييرات والإصلاحات المطلوبة.

إن الشعوب العربية وبالأخص في العراق وسوريا وليبيا واليمن عانت ولا تزال تعاني النتائج الكارثية المدمرة لما سمي بالربيع العربي الذي أطاحت عواصفة العاتية، وبالقوة، بأنظمة الحكم التي كانت قائمة في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن.

وإذا نظرنا إلى الوراء قليلًا وعدنا إلى ما قبل سحابة الربيع العربي، ما علينا إلا أن نتأمل، على سبيل المثال لا الحصر، كيف كان سيصير مصير العراق وشعبها لو أن التغيير في النظام السياسي والاجتماعي وأسلوب الحكم هناك كان قد تم من خلال القنوات الدستورية وبالوسائل السلمية تحت ظل الملكية الشرعية التي أطيح بها في إنقلاب دموي في يوليو/‏تموز 1958، وانظروا إلى حال العراق اليوم نتيجة لذلك!

وقبل انقلاب الضباط الأحرار أو ما سمي بثورة 1952، كانت مصر أم الدنيا، حقًا وحقيقة، مدن مزدهرة وراقية، مدينة القاهرة كانت من أجمل مدن العالم وأنظفها، كانت مصر سلة غذاء العالم وحاضرة العلم والفن والثقافة في المنطقة، شعب مبدع كادح منتج، حياة ديمقراطية برلمانية ناهضة، اقتصاد متين منيع جاذب للاستثمارات الأجنبية، كان الجنيه المصري عملة قوية تقارع العملات الصعبة الأخرى، كانت المملكة المصرية تُقرض الدول الأوروبية وتقدم المساعدات المالية لها، كانت سوق العمل في مصر جاذبة نشطة تستقطب العمالة من أوروبا، وكان الجرسون الإيطالي أو اليوناني يقدم القهوة للزبون المصري في مطاعم ومقاهي القاهرة والإسكندرية وغيرها من المدن، وقبل الإطاحة به في العام 1952م كان لقب الملك فاروق رحمه الله؛ ملك مصر والسودان وصاحب النوبة ودارفور وكوردوفان، وكان قطاع غزة واقع تحت وصايته ورعايته!

في اليمن وقع انقلاب عسكري في العام 1962م وتم تغيير نظام الحكم بالقوة، والإطاحة بحكم الإمام محمد البدر بن حميد الدين الذي تولى زمام الحكم قبل أسبوع واحد فقط من الإطاحة به، وهذا هو مصير اليمن اليوم أمامكم.

في ليبيا حدث الشيء نفسه في العام 1969، انقلاب عسكري أيضًا تم بواسطته تغيير نظام الحكم بالقوة، والإطاحة بحكم الملك التقي الوقور محمد إدريس السنويي، وها هي ليبيا تركع اليوم أمامكم!!

وحدث ولا حرج عن الأحوال والأوضاع في سوريا، وكيف حال جارتنا إيران بعد تغيير نظام الحكم فيها بالعنف والقوة في العام 1979.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية