العدد 3769
الجمعة 08 فبراير 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
احتضان‭ ‬الثعبان‭ (‬1‭)‬
الجمعة 08 فبراير 2019

لكثرة الضحايا دعوني أنظّرُ في وحوش الحب وضباع العواطف وأسماك قرش الأحاسيس والضحايا الموتى في الشباك! العشق هو لعبة المشاعر القاتلة، لعبة مع الشيطان.

رأيت كثيرين معلقين كذبيحة على مسلخ الحب ومذبح العشق. إنه أشبه بنوم الثعبان في ذاكرة الإنسان. وكما أطلق عليه علماء النفس “التعلق المرضي”. لا يوجد شيء أمر وأشد فتكا من العشق.

هو عبارة عن سكاكين تعزف بيانو على المشاعر المحطمة. كل عاشق تعيس، وكل محب سعيد وشتان بين الحب والعشق، وهذه سوف أكتب عنها لاحقا، فالعاشق مجنون وضع قلبه على “الهاي وي”؛ لتصدمه كل شاحنات وحوش البشر، وتجد قلبه كقطة مهروسة على طريق سريعة لا أحد يسأل عنها، فالعاشق هو في كل شيء إلا الحب.

هو أبعد الناس عن الحب؛ لأنه باختصار أعطى “رموت كونترول” مشاعره لشخص آخر؛ ليتلاعب به في تغيير المحطات والقنوات التي يريد أن يعبث بها. الحب سيكولوجيا أن تفيض بحب نفسك، فإذا فاض سيملأ الآخرين حبا، فالظمآن من شيء لا يمكن أن يكون من أهل السواقي.

منذ سنين كتبت في موضوع العشق والتعلق المرضي ونظرية “فك الارتباط” بمعنى كيف يخرج العاشق الهائم من “الرق السيكولوجي” والعبودية القاتلة، فيخرج من زنزانة الذكريات أو تلاعب العشيق لها أو العشيقة له ويرمي “الافكري” والقيود وراء ظهره، ويطير في سماء الحرية والانعتاق من التعلق المرضي لأي شيء في الحياة، فالهوس بالشهرة أو المنصب أو المال أو العشيقة طريق إلى الجحيم.

كل هذه عبارة عن زنزانات والحر هو من يعتمد نظرية المفكر الروسي فاديم زيلاند في التوازن الكوني في تخفيض أهمية الأشياء، وتحويل الاهتمام الطاقي للأشياء إلى الصفر.

بقدر اهتمامك بشي بقدر ما تعطيه رقبتك للتلاعب بمشنقتك. كم من مصاص دماء لعب دور العشيق لتحويل المعشوقة إلى لعبة طفولة يفرغ عليها إضراباته الطفولية؟

يقول نزار قباني: كفاك تلعب دور العاشقين معي وتنتقي كلمات لست تعنيها. وكل المشانق تهون إلا مشانق العشق. فالعاشق يشنق في اليوم 5 مرات وأحيانا ألف مرة حسب وحشية المعشوق، وحسب بلوغ المرض، ومدى كثافة مخدرات العشق في الدم.

قلما تجد إنسانا لم يسقط في فخ العشق أو بئره المظلمة. ولعل أكثر المعذبين هم من أصابهم عشق مع المتلاعبين “الفامباير” الذين يجيدون فن ذبح المشاعر، هؤلاء مصاصو دماء المشاعر والمحفظة يبدون ساحرين ظاهرا والوحش بداخلهم وهناك من يعتبرون الحب وظيفة للكسب السريع، وقلب المعشوق المضحوك عليه مجرد “ATM” كل نبض بدولار.

قيس بن الملوح ما كان يحب ليلى العمارية، بل كان يعشقها، وهذا نتيجة مرض سيكولوجي اسمه التعلق المرضي، هو مرض يحتاج إلى جرعات كيماوية واقعية لإسقاط شعر رأس الذكريات، حيث يتحول الحنين إلى سكين، وتقيؤ كل مخدرات العشق الموجودة في الدم يحتاج إلى سنين.

العاشق المعلق أو العاشقة المعلقة هما سجينان يرتديان ثياب السجن، وإن كانا يرتديان أفخم الماركات. جروح العشق لا تعالج بماركات “كوجي” و “دولجي اند كفانا” على أنها ضمادات، أو بالشراء العاطفي. العشق سرطان يحتاج إلى محاربة جادة كي يكسب الإنسان سعادته، وإلا قد يصل لحال قيس:

قَضاها لِغَيْري، وابْتَلاني بِحُبِّها فَهَلاّ بشَيءٍ غيرِ ليلى ابْتَلانِيا

قَضى اللَهُ بِالمَعروفِ مِنها لِغَيرِنا وَبِالشَوقِ مِنّي وَالغَرامِ قَضى لَيا

فَأَنتِ الَّتي إِن شِئتِ أَشقَيتِ عِيشَتي وَأَنتِ الَّتي إِن شِئتِ أَنعَمتِ بالِيا

فَيا رَبِّ إِذ صَيَّرتَ لَيلى هِيَ المُنى فَزِنّي بِعَينَيها كَما زِنتَها لِيا

وَإِلّا فَبَغِّضها إِلَيَّ وَأَهلَها فَإِنّي بِلَيلى قَد لَقيتُ الدَواهِيا.

في ظل الفراغ العاطفي وسطوة المادية التي تسربت من أخطاء الحياة الفردية الأنانية يصبح قلب الكثير من البشر مكانا مفتوحا للقمار العاطفي وكازينوهات الأحاسيس الكاذبة. يقول محمود درويش: هو الحب كذبتنا الصادقة! لا تبيعوا قلوبكم باسم الحب لوحوش قلوبهم كالأرصفة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية