العدد 3777
السبت 16 فبراير 2019
“لا تغرك ملابسه... ترى كرشته يابسه”
السبت 16 فبراير 2019

نادرا‭ ‬ما‭ ‬أتناول‭ ‬وجبة‭ ‬الفطور‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬المنزل‭ ‬ولكن‭ ‬أحيانا‭ ‬“يهف‭ ‬الخاطر”‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬تغيير‭ ‬المكان‭ ‬ونوعية‭ ‬الأكل‭ ‬المنزلي‭ ‬المعتاد،‭ ‬فقبل‭ ‬يومين‭ ‬أحذتني‭ ‬قدماي‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬“القهاوي”‭ ‬الشعبية‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬تمتاز‭ ‬بأطباقها‭ ‬الشعبية‭ ‬المشهورة‭ ‬وتعد‭ ‬“أشهوة”‭ ‬لمتذوقيها‭ ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬عند‭ ‬كبار‭ ‬السن‭.‬

منذ‭ ‬أيام‭ ‬الشباب‭ ‬كنت‭ ‬أحرص‭ ‬بين‭ ‬فترة‭ ‬وأخرى‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأوقات‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬على‭ ‬تناول‭ ‬وجبة‭ ‬الإفطار‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬الباكر‭ ‬مثل‭ ‬طبق‭ ‬“باجة‭ ‬الكراعين‭ ‬واللومي‭ ‬المعصور‭ ‬فوقه”،‭ ‬أو‭ ‬الآخر‭ ‬الكبدة‭ ‬المقلية‭ ‬مع‭ ‬الرغيف‭ ‬الحار‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأكلات‭ ‬الشعبية‭ ‬اللذيذة‭ ‬الأخرى،‭ ‬وفوق‭ ‬ذلك‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬الاستماع‭ ‬لما‭ ‬يدور‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬البسطاء‭ ‬الأخيار‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬أحاديث‭ ‬جانبية‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية‭ ‬وما‭ ‬يشعرون‭ ‬به‭ ‬ويعانون‭ ‬منه،‭ ‬متجنبا‭ ‬الدخول‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نقاش‭ ‬يطرح‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬فقط‭ ‬أكتفي‭ ‬بالإنصات‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬يعني‭ ‬بالبحريني‭ ‬“أتصوّخ‭ ‬وآنه‭ ‬ساكت‭ ‬لا‭ ‬أيه‭ ‬ولا‭ ‬لا”‭.‬

فبينما‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬“القهوة‭ ‬الشعبية‭ ‬أمرمش‭ ‬المقسوم‭ ‬من‭ ‬الأكل”‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬الصباحية‭ ‬الجميلة‭ ‬شبه‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬النفس‭ ‬وينشرح‭ ‬الفؤاد‭ ‬لها‭ ‬لفتني‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬دار‭ ‬بين‭ ‬اثنين‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬المقهى،‭ ‬وسمعت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬أحدهما‭ ‬وهو‭ ‬“كاشخ‭ ‬بالغترة‭ ‬ولعقال”‭ ‬يقول‭ ‬للآخر‭ ‬“صدقني‭ ‬يا‭ ‬خوي‭ ‬ما‭ ‬عليك‭ ‬من‭ ‬الكشخة‭ ‬اللي‭ ‬آنه‭ ‬فيها،‭ ‬لو‭ ‬تنفضني‭ ‬نفاض‭ ‬ما‭ ‬تلاقي‭ ‬عندي‭ ‬غير‭ ‬خمسة‭ ‬دنانير‭ ‬في‭ ‬مخباي”‭.‬

اليوم‭ ‬إذا‭ ‬رأيت‭ ‬“مواطن‭ ‬كاشخ‭ ‬لا‭ ‬تغرك‭ ‬ملابسه‭.. ‬ترى‭ ‬كرشته‭ ‬يابسه”،‭ ‬وأمثال‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬كثر،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يتواجدون‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬الشعبية،‭ ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نستغرب‭ ‬عندما‭ ‬نشاهد‭ ‬أو‭ ‬نسمع‭ ‬أو‭ ‬تنقل‭ ‬إلينا‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬المؤلمة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬البسطاء‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخول‭ ‬الشهرية‭ ‬الضعيفة‭ ‬جراء‭ ‬صعوبة‭ ‬وتعقد‭ ‬الوضع‭ ‬المعيشي‭ ‬والحياتي‭.‬

هناك‭ ‬مواطنون‭ ‬ليس‭ ‬باستطاعتهم‭ ‬شراء‭ ‬“الميوه”‭ ‬مثل‭ ‬التفاح‭ ‬والبرتقال‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الفواكه‭ ‬العادية‭ ‬الأخرى‭ ‬إلا‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬وذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬تردي‭ ‬أوضاعهم‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وهذه‭ ‬حقيقة‭ ‬صادمة‭ ‬وواقع‭ ‬مر‭ ‬تعيشه‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬شعب‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بعد‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬وفرض‭ ‬الضرائب‭ ‬والراتب‭ ‬الشهري‭ ‬“أمتنحر‭ ‬مكانه”‭.‬

نقول‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬البعيد‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬المبالغة‭ ‬والغلو‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬ونأمل‭ ‬أن‭ ‬تتسع‭ ‬الصدور‭ ‬لما‭ ‬نطرحه‭ ‬وننقله‭ ‬لما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬البحريني،‭ ‬فنحن‭ ‬يؤلمنا‭ ‬حال‭ ‬شريحة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬ديرتنا‭ ‬الذين‭ ‬من‭ ‬حقهم‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬ننقل‭ ‬ما‭ ‬يمور‭ ‬بهم‭. ‬وعساكم‭ ‬عالقوة‭.‬

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية